أنت بصدد قراءة مقال
وفرة الانتاج يتضرر منها الفلاح ولا يستفيد منها المستهلك

وفرة الانتاج يتضرر منها الفلاح ولا يستفيد منها المستهلك

كمية المنتوجات الفلاحية التي يقع إتلافها سنويا تصل إلى 50 ألف طن بقيمة مالية تناهز 35 مليارا

إتلاف 2500 طن من البطاطا و 4000 طن من البصل في جندوبة

200 ألف لتر من الحليب يقع اتلافها يوميا في ذروة موسم الانتاج

ثلث صابة القوارص لم تلق طريقها نحو الترويج سنة 2016

30 مليارا خسائر مربي الدواجن سنة 2015 بسبب وفرة الانتاج

في الوقت الذي تعاني فيه تونس من قلة الموارد ومن تراجع ماكينة الانتاج في عديد القطاعات استطاعت الفلاحة ان تصنع الاستثناء وتحقق ارقاما ايجابية على مستوى الانتاج والإنتاجية بما ساهم في تنمية الاقتصاد وإنعاش خزينة البلاد .
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الفلاحون ان يجازوا على عرقهم ويكافأوا على مجهوداتهم ضاعت كل انتظاراتهم وتواصلت معاناتهم بل وزادت خسائرهم بعد ان اكتفت الاجهزة الرسمية بدور المتفرج على محصولهم الوفير الذي كان مصيره اما الاتلاف في الحقول او البيع بسعر متدن وغير مقبول

انه من المضحكات المبكيات في تونس، أن تصبح مشكلة الفلاح الحقيقية هي “الوفرة ” لا قلة الإنتاج أو صعوبته ومن المؤسف ان يتحول مشهد المحاصيل الفلاحية وهي مكدسة في الحقول او ملقاة في المزابل او على قارعة الطريق الى مشهد عادي لا يستفز الوزارات المعنية وفي مقدمتها وزارة التجارة التي تهرول دائما نحو التوريد عند تسجبل نقص – ولو طفيف في – احد المواد الفلاحية وفي المقابل تتنصل من مسؤولياتها وتغلق ابوابها عند تسجيل وفرة في الانتاج ومعه تغلق ابواب التصدير.

وبالعودة الى عدّاد الخسائر التي تكبدها القطاع الفلاحي ومن خلاله الاقتصاد الوطني والمجموعة الوطنية ككل بسبب غياب سياسات ناجعة ومنهجية واضحة في التعامل مع الوفرة نستحضر الازمة الحادة التي عاشتها منظومة الحليب سنة 2016 حين تم اتلاف اكثر من 200 الف لتر من الحليب يوميا بالنظر الى استحالة تحويلها نتيجة فائض الانتاج خلال موسم الذروة.
كما عاش فلاحو الوطن القبلي سنة 2016 على وقع الاحتجاجات والإلقاء بمنتوج القوارص في الشوارع عوض ان يعيشوا على وقع فرحة جمع الصابة التي وقع اتلاف حوالي ثلثها اي ما يقدر ب 250 الف طن (الصابة الجملية 750 الف طن) بسبب محددودية السوق الداخلية وضعف التصدير وغياب الصناعات التحويلية لهذا المنتوج.
وفي احصاء فاتورة الوفرة لا ننسى كذلك الخسائر الفادحة التي تعرض لها مربو الدواجن سنة 2015 والتي تجاوزت 30 مليارا في صفوف الفلاحين الذين اضطروا الى بيع منتوجهم بالخسارة في ظل تخلي الدولة عن ادوارها في تنظيم القطاع واحكام البرمجة.

ثم أتى الدور خلال السنة الحالية على مادتي البطاطا والبصل اللتين تسرب فيروس التخلص منهما إلى مزارع الفلاحين فقاموا في حركة يائسة بإتلاف محاصيلهم والامتناع عن جمعها قبل أن يمروا إلى حرث أراضيهم وقد بلغت الكميات التي تم اتلافها في ولاية جندوبة لوحدها 2500 طن من البطاطا و4000  طن من البصل

من المؤسف ان يتحول مشهد المحاصيل الفلاحية وهي مكدسة في الحقول الى مشهد عادي لا يستفز الوزارات المعنية

وفي قراءة جملية لحصيلة الخسائر المنجرة عن وفرة الانتاج وفق تقديرات الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري فان كمية المنتوجات الفلاحية التي يقع إتلافها سنويا تصل إلى 50 ألف طن بقيمة مالية تناهز 35 مليارا.

إقراء أيضا

كل هذه الخسائر تختزل في طياتها جانبا من عمق المشاكل التي يتخبط فيها القطاع الفلاحي وقتامة أوضاع الفلاحين حيث عجزت كل الآليات المتاحة عن مجابهة مواسم وفرة الإنتاج وارتفاع نسق تجميع المحصول في فترات الذروة بما يحوّل ثمرات كد وعرق المنتجين حينما يهل هلال قطفها إلى نقمة وكابوس تصعب مقاومته

75 بالمائة من ارباح المنتوجات الفلاحية تذهب في جيوب الوسطاء

فلا إمكانيات الدولة المتاحة حاليا قادرة على امتصاص كامل فائض المنتوج سواء بالخزن أو التحويل أو الترويج ولا قفة المواطن استفادت من نعمة الوفرة باعتبار ان 38 في المئة فقط من المنتوجات الفلاحية تدخل حاليا  الاسواق المنظمة على المستوى الوطني وهو مؤشر سلبي  لا يخدم مصلحة الفلاح او البحار الذي يبيع منتوجاته باسعار تكون غالبا دون مستوى الكلفة الحقيقية بكثير ولا يراعي ايضا مصلحة المستهلك  الذي تعرض عليه تلك المنتوجات باسعار تفوق قدرته الشرائية  بسبب كثرة الوسطاء الذين يستحوذون على نسبة 75 بالمائة من ارباح المنتوجات الفلاحية المروجة في السوق.

ان ما يعانيه المنتجون في البر والبحر من اوضاع اقتصادية واجتماعية متردية وواقع يزداد للاسف قساوة يوما بعد يوم انما هو نتيجة طبيعية للمقاربات الخاطئة والسياسات الارتجالية المعتمدة من طرف الهياكل الرسمية التي لا يهمها انهيار الاسعار ولا تحركها مشاهد اتلاف المحاصيل الفلاحية بقدر ما تهتم بوفرة العرض وحماية السوق الداخلية وتتحرك بسرعة لافتة للتوريد في حال تقلص التزويد بالمواد الفلاحية
ذلك ان اللافت في أسلوب تعاطي الدولة مع أزمات الوفرة في القطاع الفلاحي هو الهرولة دوما نحو الحلول المسكنة والآنية وعدم استباق المشاكل والتحسب لها عبر حلول هيكلية شاملة في إطار سياسات طويلة المدى تجمع حول مائدة طرحها وبلورتها جميع الأطراف فتكون المسؤولية مشتركة في ضبط حلول تضمن استدامة منظومات الإنتاج و توفر دخلا منصفا للقائمين عليها وتؤمن توازن العرض والطلب بالأسواق وتقضي على مشاهد إتلاف المحاصيل في لحظات يأس من الفلاحين الذين ظلوا منذ عقود طويلة يدفعون لوحدهم فاتورة الوفرة .

 

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
1

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top