أنت بصدد قراءة مقال
همشه مشروع قانون المالية لسنة 2019 القطاع الفلاحي …في قبضة التجاهل

همشه مشروع قانون المالية لسنة 2019 القطاع الفلاحي …في قبضة التجاهل

التوقعات المنتظرة حسب الميزان الاقتصادي لسنة 2019 تسقط امال الفلاحين في المجهول وتطرح نقاط استفهام كبرى حول الانهيار الحاد لنسبة نمو القطاع من 9.7 بالمائة في سنة 2018 الى 0.5 بالمائة منتظرة في سنة 2019 .

يتوقع منوال التنمية لسنة 2019 تطورا للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1 بالمائة مقابل 2.6 بالمائة منتظرة في سنة 2018. وحسب ما جاء في الميزان الاقتصادي لسنة 2019 في نسخته الصادرة في شهر أكتوبر 2018 والمنبثق عن المخطط الخماسي للتنمية 2016 – 2020 حيث تعتمد وثيقة الميزان الاقتصادي لإعداد مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية ، فان نسبة النمو المنتظرة للسنة الجارية تبقى حسب الميزان الاقتصادي ” مرتبطة أساسا بضرورة تأكيد الانتعاشة الاقتصادية المسجلة منذ أواخر سنة 2017 وذلك سواء بمعالجة الإشكاليات الهيكلية والظرفية المتعلقة بعدد من القطاعات التي شهدت تراجعا في الأداء أو بمزيد الارتقاء في سلاسل القيمة خاصة على مستوى الصناعات المعملية والنهوض بالصناعات الواعدة علاوة على دعم الخدمات المسوقة ذات القيمة المضافة العالية والطاقة التصديرية المرتفعة”.
وحسب ذات الوثيقة يستند تحقيق نسبة النمو ب3.1 بالمائة على فرضية مساهمة القطاعات الاقتصادية على النحو التالي:

1 – شبه استقرار القيمة المضافة للقطاع الفلاحي في حدود 0.5 بالمائة بالأسعار القارة.
2 – تطور القيمة المضافة في قطاع الصناعات المعملية بنسبة 4.2 بالمائة مقابل 1.9 بالمائة في سنة 2018 .
3 – نمو القيمة المضافة لقطاع الخدمات المسوقة بنسبة 4.1 بالمائة.

وحسب الميزان الاقتصادي لسنة 2018 فقد بلغت مساهمة القطاع الفلاحي في نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي حقق نسبة نمو ب 2.6 بالمائة ، 1 بالمائة مقابل تحقيق القطاع لنسبة نمو في حدود 9.7 بالمائة.
في المقابل بلغت مساهمة قطاع الصناعات المعملية 0.1 بالمائة في نمو الناتج المحلي الإجمالي مقابل تحقيق القطاع لنسبة نمو ب 0.6 بالمائة، فيما بلغت مساهمة قطاع الخدمات المسوقة 1.2 بالمائة مقابل تحقيق القطاع نسبة نمو ب 2.9 بالمائة، واقتصرت مساهمة الخدمات غير المسوقة في حدود 0.1 بالمائة مقابل تحقيقها نموا بنسبة 0.4 بالمائة.
أما بالنسبة لسنة 2019 والتي ينتظر أن تبلغ خلالها نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.1 بالمائة فان أكبر مساهمة ستكون من نصيب الخدمات المسوقة ( السياحة، النقل ، القطاع المالي …) وذلك بنسبة 1.8 بالمائة مقابل تحقيق القطاع لنسبة نمو في حدود 4.1 بالمائة. وفي الوقت الذي ستحقق فيه الصناعات غير المعملية أكبر نسبة نمو ب 4.8 بالمائة فان مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لن تتجاوز 0.4 بالمائة مقابل تحقيق الصناعات المعملية نسبة نمو ب 4.2 بالمائة لتقدر مساهمتها في حدود 0.7 بالمائة.
في هذا السياق فان نقاط استفهام كبرى تطرح أمام دور قطاع الفلاحة والصيد البحري في سنة 2019 بالرجوع الى حجم مساهمته المنتظرة والتي لن تتجاوز 0.1 بالمائة في نمو الناتج المحلي الإجمالي مقابل 1 بالمائة في سنة 2018 ساهمت في انقاذ البلاد من حدة الركود التضخمي للاقتصاد الوطني.
فبفضل هذه المساهمة استطاع الطرف التونسي التفاوض مع صندوق النقد الدولي وبقية المقرضين الدوليين للحصول على قروض لتمويل ميزانية الدولة وتسديد الديون الخارجية وتغطية التوريد.

 رغم مزايا القطاع الفلاحي في سنة 2018 على حكومة الشاهد وإنقاذه للاقتصاد الوطني ، فإننا لم نجد أي أثر لإجراءات استثنائية أو حتى عادية تتعلق بالقطاع

كل هذا الثقل للقطاع الفلاحي في دفع النمو في سنة 2018 مقارنة ببقية القطاعات يفترض المحافظة عليه والارتقاء به في سنة 2019 ، الا أن التوقعات المنتظرة حسب الميزان الاقتصادي لسنة 2019 تقطع مع هذا المنطق وتسقط امال الفلاحين في المجهول لنبحث عن إجابات مقنعة بعيدا عن المتغيرات المناخية للانهيار الحاد لنسبة نمو القطاع من 9.7 بالمائة في سنة 2018 الى 0.5 بالمائة منتظرة في سنة 2019 .
ورغم مزايا القطاع الفلاحي في سنة 2018 على حكومة الشاهد وانقاذه للاقتصاد الوطني من ركود تضخمي حاد، فإننا لم نجد أي أثر لإجراءات استثنائية أو حتى عادية تتعلق بالقطاع في مشروع قانون المالية لسنة 2019 تعكس وعي الحكومة بخطورة الانهيار الحاد لنسبة نمو القطاع الذي يهدد بتراجع نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2019 الى منطقة الصفر استنادا الى مساهمة بقية القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2018 ، واستنادا الى غياب إجراءات واضحة في اطار مشروع قانون المالية لسنة 2019 ترمي الى الارتقاء أو على الأقل الحفاظ على مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
كما أننا لم نجد أي أثر في الميزان الاقتصادي لسنة 2019 ما يفيد بوعي الحكومة بضرورة مواجهة هذا الانهيار الحاد أو الحد من سلبياته من خلال اليات مالية وجبائية ونقدية واجتماعية حيث لم تخرج الفقرة المتعلقة بقطاع الفلاحة والصيد البحري المدرجة بالباب الأول المتعلق بتطوير السياسات القطاعية وتعصير البنية التحتية، وفي مستوى السياسات القطاعية، لم تخرج هذه الفقرة عن النمط التقليدي الميت باستعمال مصطلحات ومفاهيم عامة لا تعكس جدية الحكومة في التعاطي مع هذا القطاع الاستراتيجي والهام في تحقيق التوازنات المالية الداخلية والخارجية المفقودة والتي بقيت مرتبطة بحلول واهية وغير ملموسة وافتراضية على غرار ما جاء بالصفحة 45 من وثيقة الميزان الاقتصادي لسنة 2019 حيث تتمثل الأهداف المرسومة في ” النهوض بأداء القطاع ( المقصود هو القطاع الفلاحي) واكسابه قيمة مضافة عالية وقدرة تنافسية هامة وذلك لتعزيز الأمن الغذائي وتأمين دخل مجزي للفلاح والبحار والمحافظة على استدامة الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة، في ظل التغيرات المناخية التي تهدد البلاد”.

 بفضل مداخيل الصادرات الفلاحية استطاعت تونس التفاوض مع صندوق النقد الدولي وبقية المقرضين الدوليين للحصول على قروض لتمويل ميزانية الدولة وتسديد الديون الخارجية

إقراء أيضا

تؤكد هذه الأهداف العامة أن القطاع وقع شطبه من اهتمامات حكومة الشاهد رغم مزاياه عليها ليتم تعويمه مع باقي القطاعات ضمن إجراءات عادية في مشروع قانون مالية عادي لا يترجم حجم التحديات والرهانات التي يواجهها القطاع من جهة، والتوازنات المالية الداخلية والخارجية من جهة ثانية.
ان المساهمة العالية التي سجلها القطاع في سنة 2018 ، وسنوات ما بعد الثورة مقارنة ببقية القطاعات، لا تجد أسبابها لا ضمن المخطط الخماسي للتنمية 2016 – 2020 ، ولا ضمن قوانين المالية ، بل في العوامل المناخية التي ستكون صعبة على القطاع في السنة القادمة بما يفترض من الحكومة إقرار إجراءات استباقية تحمي الفلاح والبحار وتؤمن لهما الدخل المجزي كما جاء في وثيقة الميزان الاقتصادي لسنة 2019 استنادا لما جاء في نفس الوثيقة حيث أكدت على ضرورة “معالجة الإشكاليات الهيكلية والظرفية المتعلقة بعدد من القطاعات التي شهدت تراجعا في الأداء”.
واذا ما اعتبرنا أن هذه المعالجة هي منهجية حكم، فإننا نتساءل عن عدم اعتمادها في التعاطي مع القطاع الفلاحي الذي دخل منحدر الانهيار.
ان ما جاء في مشروع قانون المالية لسنة 2019 حيث خص القطاع الفلاحي باجراءات بسيطة وعادية مقارنة بالامتياز الجبائي الذي منحه للقطاع السياحي، على خلفية الصعوبات المالية التي يواجهها، متمثلا في طرح المداخيل أو الأرباح المعاد استثمارها في إعادة الهيكلة المالية للنزل السياحية المعنية في حدود 25 بالمائة من الدخل أو الربح الخاضع للضريبة، يعكس سياسة التهميش التي تمارسها حكومة الشاهد تجاه القطاع في ظل الصعوبات التي يواجهها الفلاح والبحار نتيجة انهيار قيمة الدينار والارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات حيث قدر معدل تكلفة المحروقات في أهم المنتوجات الفلاحية في حدود 25 بالمائة في الوقت الذي لا يتجاوز معدل منحة المحروقات 10 بالمائة من معدل قيمة المحروقات في القطاع ، مع العلم أن هذه المنحة لم يتم تحيينها منذ سنة 1999 رغم تطور أسعار المازوط منذ ذلك التاريخ الى سنة 2018 بنسبة 271 بالمائة.

 قانون المالية تجاهل مطلب شرعيا للفلاحين بتعديل منحة المحروقات التي لم يتم تحيينها منذ سنة 1999 رغم تطور أسعار المازوط منذ ذلك التاريخ الى سنة 2018 بنسبة 271 بالمائة.

ولئن لن نتوقف عند تعداد الصعوبات التي يواجهها قطاع الفلاحة والصيد البحري، والتي لم تحرك حكومة الشاهد لإقرار اجراءات استثنائية في إطار مشروع فانون المالية للتخفيف من حدتها، الا أنه يمكن التعرض الى عينة من الاليات التي جاءت بعد نضال طويل من قبل المنظمة النقابية الفلاحية والمتمثلة في صندوق الجوائح الطبيعية والتي تندرج ضمن اليات التعويض وجبر الأضرار.
فحسب دراسة أعدها الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري فانه بالنسبة للموسم الفلاحي 2017 – 2018 لم تغط تعويضات صندوق الجوائح الطبيعية سوى 6 بالمائة مما تكبده الفلاحون من أضرار.
ففي حين بلغت قيمة الأضرار 181.898 مليون دينار لم يغط الصندوق الا ما قيمته 10.633 مليون دينار.
أما اذا اعتمدنا التوزيع الجغرافي لتدخل الصندوق فان التغطية تتراوح بين 0 بالمائة و52 بالمائة.
فولايات مثل القيروان وسليانة وجندوبة والكاف وزغوان ومدنين وتوزر وقابس لم تتحصل على أي تعويض في حين أن الاضرار قدرت على التوالي في حدود 6.884 مليون دينار و20.500 م.د و1.300 م.د و2.134 م.د و5.180 م.د و0.707 م.د و1.183 م.د و10.000 م.د. في حين تحصلت ولاية القصرين على 52 بالمائة وسيدي بوزيد 27 بالمائة من قيمة الأضرار.
ان الانهيار الحاد لنسبة نمو قطاع الفلاحة والصيد البحري من 9.7 بالمائة في سنة 2018 الى 0.5 بالمائة منتظرة في سنة 2019 ينبئ بتداعيات سلبية وخطيرة على القطاع والناشطين فيه من جهة، وعلى نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي بصفة عامة، خاصة في غياب إجراءات استباقية ووقائية في إطار رؤية استراتيجية واستشرافية للقطاع بما يكشف عن تغييب ممثلي القطاع عند اعداد مشروع قانون المالية، ويقطع الطريق أمام كل محاولات التصحيح والتدارك عند مناقشته في مجلس نواب الشعب.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top