أنت بصدد قراءة مقال
من اجل مقاربة سيادية لمنظومة الحبوب

من اجل مقاربة سيادية لمنظومة الحبوب

جنات بن عبد الله

 

الحكومة تعمل على مراجعة دعم مادة الحبوب عند الاستهلاك بطريقة معزولة عن سياسة الدعم عند الإنتاج بما يسقط كل محاولات الترشيد في خانة الفشل.

شرعت حكومة الشاهد، تمهيدا لمشروع قانون المالية لسنة 2019، في توفير شروط ومقتضيات برنامج الإصلاحات الكبرى في بابه المتعلق بدعم المواد الأساسية على خلفية الضغط على ميزانية الدولة من 4.9 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي هذه السنة لتتقلص الى حدود 3.9 بالمائة كفرضية مشروع ميزانية سنة 2019، وذلك من خلال الضغط على ميزانية التصرف عبر تجميد كتلة الأجور وتقليص الدعم.

 وقد بدأت الالة الإعلامية في الترويج لوصفة الحكومة التي تبنتها من صندوق النقد الدولي استنادا لدراسات يتم إنجازها بالتعاون بين هياكل عمومية وأخرى دولية لبلورة وتحسيس الرأي العام الوطني بخطورة التمادي في سياسة دعم المواد الأساسية على ميزانية الدولة في ظل شح الموارد الذاتية واللجوء المكثف للاقتراض الخارجي.

وحسب اللجنة الحكومية المكلفة بتقديم استراتيجية اصلاح منظومة دعم المواد الأساسية والتي وافق على بعثها مجلس وزاري انعقد في شهر مارس 2018، والتي أعلنت عن مقترحاتها في شهر سبتمبر 2018، فان المنتوجات المدعمة مثل الفارينة والزيوت النباتية والسكر تشجع حسب اللجنة الحكومية على الاستعمال غير القانوني وعلى التهريب.

وبناء على دراسة أنجزها المعهد الوطني للاستهلاك بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حول “التبذير الغذائي” واعتمدتها اللجنة الحكومية فانه من مجمل 3ر7 مليون وحدة خبز تصنع يوميا، يتم القاء 900 ألف وحدة في المعدل، وهو ما يمثل حسب اللجنة خسارة بالعملة الصعبة باعتبار ان 90 بالمائة من القمح اللين مورد.

وتعتبر تونس من أكبر موردي الحبوب في شمال افريقيا حيث لا تغطي المحاصيل سوى 47 بالمائة من حاجيات الاستهلاك، وتورد تونس معدل مليون طن سنويا من القمح اللين، و300 ألف طن من القمح الصلب وهو ما يمثل 30 بالمائة من حاجياتها.

ويعتبر عجز الميزان التجاري أحد التحديات التي تواجهها التوازنات المالية الخارجية في بلادنا حيث يترجم هذا العجز بتبعية مفرطة للأسواق العالمية في مادة الحبوب. وقد تعمق هذا العجز في ظل انزلاق الدينار التونسي وتراجع الاحتياطي من العملة الصعبة الذي تدحرج الى مستوى 69 يوم توريد في شهر أوت 2018 من جهة، وفي ظل ارتفاع الأسعار العالمية من جهة أخرى.

ورغم خطورة هذا الوضع على أمننا الغذائي وأمننا القومي بصفة عامة ارتأت حكومة الشاهد التعاطي مع مادة الحبوب من منظور التحكم في التوازنات المالية الداخلية المرتبطة بعجز ميزانية الدولة متجاهلة علاقتها بالتوازنات المالية الخارجية المرتبطة بعجز الميزان التجاري.

تونس تتعاطى مع مادة الحبوب من منظور التحكم في التوازنات المالية الداخلية المرتبطة بعجز ميزانية الدولة متجاهلة علاقتها بالتوازنات المالية الخارجية المرتبطة بعجز الميزان التجاري

ففي الوقت الذي تفترض المقاربة السيادية لقطاع الحبوب نظرة شمولية ثلاثية الأبعاد متكافئة فيما بينها تقوم على ثلاثة مسارات متوازية غير أنها تتقاطع وتلتقي في الأخير عند نقطة ارتكاز تحمل عنوان السيادة الوطنية، تعمل الحكومة على مراجعة دعم مادة الحبوب عند الاستهلاك بطريقة معزولة عن سياسة الدعم عند الإنتاج بما يسقط كل محاولات الترشيد في خانة الفشل.

  • أول هذه المسارات تحمل عنوان دعم قطاع الحبوب عند الإنتاج.
  • فمنذ سبعينات القرن الماضي لم تتغير منظومة الدعم لقطاع الحبوب رغم ضعف الاعتمادات المرصودة، بل تم التقليص منها في خطوة لاحترام مقتضيات اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة بعد بعثها في سنة 1995. وقد كان من الضروري مراجعة سياسة الدعم للقطاع الفلاحي بصفة عامة على ضوء ما هو معمول به في بلدان الاتحاد الأوروبي باعتباره الشريك التجاري الأول لتونس وتربطنا به اتفاقيات تعاون وشراكة منذ سنة 1969 .، وأيضا على ضوء متطلبات اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة.
  • ثاني هذه المسارات يحمل عنوان الحد من عجز الميزان الغذائي في اتجاه تقليص عجز الميزان التجاري الذي سجل مستويات خطيرة بعد الثورة، والعمل على توفير كل الحوافز المالية والجبائية للقطاع الفلاحي بصفة عامة وقطاع الحبوب بصفة خاصة وتشجيع الصناعات الغذائية بما يقلص من اللجوء الى الأسواق العالمية.
  •  أما ثالث عنوان فيتعلق بمسار الدعم عند الاستهلاك والصندوق العام للتعويض.

ففي هذا المستوى يبقى نجاح الحكومات مرتبط بنجاحها في التوفيق بين التعاطي الاجتماعي والتعاطي المالي المرتبط بميزانية الدولة. ولئن يبقى من الضروري تقليص نفقات التصرف بعنوان دعم الحبوب والمواد الأساسية بصفة عامة بما يساهم في تقليص عجز ميزانية الدولة والتحكم في التوازنات المالية الداخلية فذلك لا يجب أن يكون على حساب المقدرة الشرائية للمواطن وعلى حساب السلم الاجتماعية.

 معادلة يبقى نجاحها مرتبط بتقدم المسارين الأول والثاني حيث أنه في توفير مادة الحبوب وطنيا بفضل الضغط على تكاليف الإنتاج وتوفير الدعم على غرار ما هو معمول به في إطار السياسة الفلاحية المشتركة بالاتحاد الأوروبي، يمكن الضغط على الأسعار عند الإنتاج من جهة، والضغط على الأسعار عند الاستهلاك. كما أنه بفضل نجاح المسار الثاني المتمثل في تقليص عجز الميزان التجاري نعطي للحكومة هامش تحرك أوسع يسمح لها بالرفع التدريجي للدعم دون الغاءه.

منذ سبعينات القرن الماضي لم تتغير منظومة دعم الحبوب ولم تخرج عن مربع الترقيع والترميم بما ساهم في مزيد تعميق ازمة القطاع

ان الحديث عن حماية قطاع الحبوب وقطاع البذور واقتراح حلول وإجراءات في ظل منوال التنمية القائم الذي همش القطاع الفلاحي بصفة عامة على امتداد عقود أربعة لا يمكن أن يجد له صدى باعتبار أن هذه المقترحات لا يمكن أن تخرج عن مربع الترقيع والترميم بما يساهم في مزيد تعميق الأزمة والتبعية وتدمير القطاع الفلاحي مرورا بقطاعي الحبوب والبذور.

كما أن إعادة النظر في منظومة الدعم عند الاستهلاك في اطار الصندوق العام للتعويض والاختفاء وراء عجز ميزانية الدولة لا يمكن أن تحقق الأهداف التي يتم الترويج لها من قبل الحكومة والدراسات التي تنجز بالتعاون مع هياكل دولية، باعتبار أن معالجة منظومة الدعم خارج تصور شامل واستراتيجي للقطاع الفلاحي وقطاع الحبوب بصفة خاصة ولئن تحقق هدفها المالي، بما يعني تقليص عجز ميزانية الدولة، الا أنها تمر عبر تغذية الاحتقان الاجتماعي الذي سيكلف البلاد أكثر من 2.2 مليار دينار وهي قيمة الدعم المتوقع تسجيلها في سنة 2019 باعتبار ارتفاع الأسعار العالمية للحبوب وانزلاق قيمة الدينار.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top