أنت بصدد قراءة مقال
عندما يتحول الماء الى مال وتفرط تونس في السيادة و”الاستقلال”

عندما يتحول الماء الى مال وتفرط تونس في السيادة و”الاستقلال”

جنات بن عبد الله
  • المشروع الجديد لمجلة المياه
  • الترويج بان مجلة المياه الصادرة سنة 1975 لم تعد صالحة لا يعد سوى مناورة من الحكومة لتحرير الخدمات المائية وضرب أحد القطاعات الحيوية والإستراتيجية في البلاد
  • المشروع الجديد لمجلة المياه يندرج في إطار استكمال المنظومة التشريعية والقانونية لتطبيق اتفاقية "الأليكا"
  • الحكومة تعمدت عدم مصارحة الشعب التونسي ومارست سياسة التعتيم والتضليل لإخفاء الأسباب الحقيقية لتعديل مجلة المياه
  • البنك الدولي يعرض برامج خوصصة المياه كحتمية تاريخية لا بديل عنها لمعالجة الخلل في إدارة المياه وتخفيف العبء على ميزانية الدولة
  • في استراليا أدت الخوصصة الى تلوث المياه في "سيدني" سنة 1998 مما اضطر السكان الى القيام بغلي المياه لمدة 32 يوما لتصبح صالحة للشرب.
  • خصخصة المياه في جنوب افريقيا جلبت لها أسوأ موجة وباء كوليرا في تاريخها

في دراسة قامت بها جامعة “نورث كارولاينا” الامريكية تبين أنه كلما تمت خصخصة قطاع المياه كلما ارتفعت معدلات الفقر واللامساواة الاجتماعية والاقتصادية

الاتفاق العام لتجارة الخدمات “الغاتس”  يسمح للشركات العالمية باستنزاف الموارد المائية وتدميرها من دون أن يعطي للدولة المتضررة الحق في تقييد هذه التأثيرات

إقرار مشروع مجلة المياه في صيغته النهائية الحالية يشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني في مفهومه الشامل

مجلس نواب الشعب الجديد مطالب بتحمل مسؤوليته التاريخية والوطنية لحماية ثروتنا المائية من الخوصصة وهيمنة الشركات العالمية

يشير مشروع مجلة المياه الجديد في شرح الأسباب إلى أنّه في ظلّ التغيرات المناخية ومحدودية الموارد المائية بالبلاد التونسية، أصبحت مجلة المياه الصادرة في سنة 1975 غير ملائمة لمتطلبات المرحلة الحالية فبات من الضروري إرساء إطار قانوني جديد يتلائم والمتطلبات الحالية والمستقبلية وينسجم مع الاتفاقيات الدولية في مجال المياه.

فهل صحيح أن مجلة المياه الصادرة سنة 1975 لم تعد صالحة لمثل هذا الزمان ؟ أم ان الترويج لهذا المعطى لا يعد سوى مناورة من الحكومة  لضرب أحد القطاعات الحيوية والإستراتيجية في البلاد وهو قطاع المياه وذلك في إطار استكمال المنظومة التشريعية والقانونية لتطبيق مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق “الأليكا” بين الجمهورية التونسية والاتحاد الأوروبي ؟

في قراءة لتفاصيل المشروع الجديد لمجلة المياه الذي تمت المصادقة عليه ضمن مجلس وزاري في انتظار عرضه على مجلس نواب الشعب ، يمكن القول إن حكومة  الشاهد قد استكملت الإطار التشريعي والقانوني لتطبيق مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق الذي يشمل تحرير قطاعات الفلاحة والخدمات والاستثمار بكل أريحية بعيدا عن الاحتجاجات والانتقادات من قبل الرافضين لمشروع الاتفاقية وذلك بفضل سياسة التعتيم والتضليل التي اتبعتها هذه الحكومة في تعاطيها مع السلطة التشريعية عند عرض ومناقشة كل مشاريع القوانين ذات الصلة بمشروع “الأليكا” حيث تجنبت في وثائق شرح الأسباب استعمال المصطلحات والمفاهيم المعتمدة في أدبيات المنظمة العالمية للتجارة على غرار مصطلح “الدستور الغذائي”، الذي تم حذفه بعد ان كان منصوصا عليه في قانون السلامة الغذائية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات الذي جاء مطابقا لمقتضيات اتفاقية تدابير الصحة والصحة النباتية للمنظمة العالمية للتجارة.

كما اتبعت الحكومة نفس الأسلوب في تقديم مشروع مجلة المياه حيث تجنبت ذكر تحرير الخدمات المائية، الذي يشكل الهدف الأساسي من وراء تعديل مجلة المياه لسنة 1975 الذي استندت فيه الى مقتضيات الاتفاق العام لتجارة الخدمات “الغاتس” الذي استند اليه القانون الافقي للاستثمار وتحسين مناخ الاعمال الذي صادق عليه مجلس نواب الشعب في أفريل 2019 ويتعلق بتحرير قطاع الخدمات.

ولئن تم الشروع في مراجعة هذه المجلة في ثلاث مناسبات وبالتحديد سنوات 1987 و1988 و2001، الا أن المراجعة الأخيرة التي انطلقت في سنة 2009 بإنجاز البنك الدولي لدراسة حول” الماء الصالح للشرب والتطهير في تونس” بالتعاون مع وزارة الفلاحة، تندرج ضمن الإصلاحات الهيكلية للبنك وصندوق النقد الدوليين والاتحاد الأوروبي الرامية الى تحرير الخدمات المائية حيث تم اعتماد هذه الدراسة لتقديم النسخة الأولى لمشروع المجلة في سنة 2012. الا أن التعديل تواصل بعد ذلك للأخذ بعين الاعتبار الفصل 44 من دستور 2014 الذي اعترف بحق الشعب التونسي في الماء، وتم اعداد نسخة ثانية في سنة 2015 ووضعها للاستشارة ليتم تقديمها محينة في سنة 2016 الى مجلس وزاري مضيق.

وقد خضعت هذه النسخة الأخيرة، حسب المصادر الرسمية، الى تعديلات إضافية من قبل الوزارات والهياكل المعنية وخبراء في الميدان الى جانب ناشطين في المجتمع المدني ليتم اقتراحها في سنة 2017 على الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اعتبر أن هذا المشروع يفتح الباب أمام خصخصة قطاع المياه في تونس، ثم الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري الذي قدم هو أيضا جملة من التحفظات حول المشروع.

وفي وثيقة شرح الأسباب لاحظت وزارة الفلاحة أن مجلّة المياه الصادرة سنة 1975 أصبحت غير ملائمة لمتطلبات المرحلة الحالية ولا تستجيب لضروريات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وأن مشروع المجلة الجديدة يقوم على جملة من المبادئ من بينها أن الماء عنصر حيوي وثروة وطنية، وهو ملك عمومي، وموروث طبيعي للبلاد يجب حمايته والمحافظة عليه وتنميته، وأن الحق في الماء الصالح للشرب والحق في الصرف الصحي ضروري للحياة حيث تعمل السلط المختصة على المستوى المركزي والجهوي والمحلي على جعله متاحًا للجميع وتوفير الخدمات المتعلّقة به، وأن الملك العمومي للمياه غير قابل للتفويت، وأنه يتم التخطيط لتعبئة الموارد المائية لتأمين الملاءمة بين طلبات الماء الحالية والمستقبلية والموارد المتوفرة كمًا وكيفًا وفق الحوكمة الرشيدة والتصرف المندمج. وقد جاد هذا المشروع بمقترح إحداث الشرطة المائية التي تتولى معاقبة كل من يستغل المياه بطريقة غير قانونية.

أهداف نبيلة صاغتها وزارة الفلاحة في تقديمها لمشروع مجلة المياه عند التنصيص والتذكير بأن الماء هو ثروة وطنية …وهو ملك عمومي… وموروث طبيعي… غير قابل للتفويت… وأن الدولة مدعوة الى ضمان الحق في الماء لكل مواطن…وهو ما يفسر، ربما، التعديلات التي جاءت بعد سنة 2014 أي بعد إقرار الدستور الجديد،  ليبقى السؤال مطروحا بخصوص الأسباب الحقيقية التي استوجبت انتظار خمس سنوات أخرى لتقديم النسخة النهائية رغم استعجالية الظرف الذي يتميز بعمق الأزمة التي يعيشها قطاع المياه في تونس والتي أصبحت تهدد فئات اجتماعية واسعة بالعطش، وفي الوقت الذي وظفت فيه حكومة الشاهد كل امكانياتها لتمرير مشاريع قوانين، ربما، تكون أقل أهمية على غرار القانون الأفقي للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وقانون السلامة الغذائية وغيرها من القوانين التي تشكل الاطار التشريعي والقانوني لتطبيق مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق والتي جاءت في اطار مقايضة مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.

ومرة أخرى، تعمدت حكومة الشاهد عدم مصارحة الشعب التونسي وواصلت في سياسة التعتيم والتضليل وفي استغفال الرأي العام الوطني بإخفاء الأسباب الحقيقية لعمليات التعديل الأخيرة المرتبطة أساسا باستكمال الإطار التشريعي لتحرير قطاع الخدمات الذي تعهدت به والمتمثل في القانون الأفقي للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال. كما تعمدت، عند التسويق لمشروع مجلة المياه، تحويل اهتمام المنظمات المهنية والنقابية والمجتمع المدني بالتركيز على مسائل لا تشكل موضوع اختلاف مثل الحق في الماء، والماء ثروة وطنية، وملك عمومي… وهي مسائل حسمت فيها تونس بتضمينها في الدستور استنادا لقرار لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمم المتحدة الذي تم اتخاذه في نوفمبر 2003 والذي يقضي بأن حق الحصول على المياه النظيفة هو أحد حقوق الانسان الرئيسية المنصوص عليها في الأمم المتحدة.

وقد قامت الأمم المتحدة بتثبيت هذا الحق بعد أن كشفت عدة تجارب في عدة دول أن الحصول على المياه النظيفة أصبح مهددا ليس فقط بسبب الاستنزاف والتلوث الذي تتعرض له الموارد المائية بل وأيضا بسبب سياسات التقشف وتحرير التجارة الدولية في ظل اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة التي جعلت المياه سلعة يمكن خصخصتها ضمن هذه الاتفاقيات وضمن مشاريع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي  التي ترى في خصخصة قطاع المياه الطريقة المثلى في معالجة الخلل في إدارة المياه في الدول النامية لتخفيف العبء على ميزانية الدولة وتحميل القطاع الخاص جزءا من المسؤولية في إدارة المياه بشكل أفضل وفق اليات السوق.

فقد كانت تسعينات القرن الماضي عقد خصخصة قطاع المياه الذي يتكون من مصادر المياه والخدمات المائية. وكان توسع شركات المياه العالمية ومتعددة الجنسيات بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي جزءا من سياسات إرساء نظام اقتصاد السوق في البلدان النامية مثل بلدان أوروبا الشرقية (جمهورية التشيك والمجر) وبلدان أمريكا اللاتينية وخاصة الأرجنتين وفي اسيا (مانيلا وجاكارتا) وفي افريقيا حيث تحصلت هذه الشركات على الامتيازات في مستعمرات فرنسية سابقة عبر أشكال وصيغ جديدة لخصخصة قطاع المياه ، مثل عقود الامتياز والتأجير وعقود الإدارة وأشكالا أخرى من الامتيازات لإدارة محطات معالجة المياه المستعملة أو تجميع المياه أو الصيانة أو التطهير وغيرها من الخدمات المائية.

هذه الصيغ أملتها الشركات العالمية ومتعددة الجنسيات في تسعينات القرن الماضي وكانت عقود الامتياز هي أفضل الصيغ الى جانب عقود الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص. وأثناء انعقاد اجتماع المجلس العالمي للمياه في لاهاي في سنة 2000، الذي أصدر بيانا اعتبر فيه أن أحد أساليب توفير الأموال اللازمة لتنمية قطاع المياه يتمثل في تشجيع القطاع الخاص للاستثمار فيه، كان كبار مسؤولي البنك الدولي يعرضون برامج خصخصة المياه كحتمية تاريخية مستخدمين في ذلك عبارة “لا بديل عن ذلك”.

تجارب عديدة كشفت فشل برامج خصخصة المياه. ففي استراليا مثلا أدت الخصخصة الى حدوث اختلال وظيفي في خدمات المياه مثل تلوث المياه في “سيدني” في خريف 1998 حيث اضطر السكان لمدة 32 يوما الى القيام بغلي المياه لتصبح صالحة للشرب.

كما جلبت خصخصة المياه في جنوب افريقيا أسوأ موجة وباء كوليرا في تاريخها حيث اضطرت الفئات الاجتماعية ضعيفة الدخل الى اللجوء الى مياه الأنهار الملوثة بسبب ارتفاع أسعار المياه.

وفي دراسة قامت بها جامعة “نورث كارولاينا” أجرتها على دول أمريكا اللاتينية تبين أنه كلما تمت خصخصة القطاعات العمومية كلما ارتفعت معدلات الفقر واللامساواة الاجتماعية والاقتصادية وهو ما حصل في جميع هذه الدول بين عامي 1982 و1995. ومن بين الأحداث الشهيرة في تلك الفترة برنامج خصخصة قطاع المياه في بوليفيا في أواخر التسعينات.

فقد اشترط صندوق النقد الدولي على بوليفيا في أواسط التسعينات خصخصة شبكتها المائية للحصول على قرض وقد تسبب ذلك في عجز عدة فئات اجتماعية عن دفع تكلفة المياه بعد ارتفاعها مما أدى الى اندلاع مظاهرات وأحداث شغب ومواجهات دموية بين الشعب وقوات الأمن انتهت بإلغاء الحكومة البوليفية لقرار الخصخصة وانسحاب الشركة البريطانية من إدارة الشبكة بعد تحقيقها لأرباح ضخمة.

ورغم هذه النتائج المفزعة لخصخصة المياه في نهاية تسعينات القرن الماضي، وتحت ضغط الاتحاد الأوروبي الذي لعب دورا رئيسيا في تعجيل المفاوضات في اتجاه تنفيذ الاتفاق العام لتجارة الخدمات حيث أجبر كل دولة عضو بالمنظمة على ضبط قائمة الخدمات المائية التي سيتم تحريرها، قررت المنظمة العالمية للتجارة في المؤتمر الوزاري المنعقد في الدوحة في سنة 2001 اجراء مفاوضات في سنة 2005 من أجل الحد والقضاء تدريجيا على الحواجز الجمركية وغير الجمركية الموظفة على تداول السلع والخدمات البيئية، لتصبح الخدمات المائية بمقتضى هذا القرار خاضعة للاتفاق العام لتجارة الخدمات “الغاتس” بما يعني فتح خدمات المياه للقطاع الخاص بما يتضمن تشغيل وإدارة المرافق العمومية لمياه الشرب، ومحطات تنقية المياه، وتسعير المياه وخصخصة الشركات العمومية للمياه وجعل السوق ومنطق السوق يقرر طريقة توزيع المياه.

ولئن كانت سوق المياه محررة نسبيا في بعض البلدان الصناعية الا أن تضمينها في الاتفاق العام لتجارة الخدمات “الغاتس” يأخذ أبعادا أخطر باعتبار الصبغة الإلزامية لاتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة بما يعني أن وضع أي بلد عضو لحواجز أمام الشركات العالمية للحصول على حق الامتياز يعرضه لعقوبات.

كما أن الخطير في هذا الباب أن أحكام الاتفاق العام لتجارة الخدمات تسمح للشركات العالمية باستنزاف الموارد المائية من الأنظمة البيئية وتدميرها من دون أن تعطي للدولة النامية الحق في تقييد هذه التأثيرات باعتبارها غير مدرجة ضمن عناصر البيئة التي يسمح الاتفاق العام لتجارة الخدمات “الغاتس” بحمايتها حسب شروط معينة واستثنائية.

فقد وضع الاتفاق العام لتجارة الخدمات بندا استثنائيا يرمي الى حماية البيئة ويسمح بمقتضاه للدول بفرض إجراءات تقيد من حرية التجارة لحماية البيئة. هذا البند تضمن فقط حماية الانسان والكائنات الحية ولا يعتبر هذا البند الأنظمة البيئية والمكونات غير الحية مثل الأنهار والمياه الجوفية والبحيرات والأراضي الرطبة التي تشكل المصدر الرئيسي للموارد المائية، لا يعتبر هذه المكونات عناصر بيئية يجب حمايتها بمقتضى هذا البند الاستثنائي.

قرار ادماج الخدمات المائية في الاتفاق العام لتجارة الخدمات قوبل بردود أفعال قوية من قبل البلدان النامية والمجموعة الافريقية واعتبرته أحد النتائج السلبية والمثيرة للقلق في مؤتمر الدوحة باعتباره فتح أسواقها أمام الشركات المائية الكبرى متعددة الجنسيات التي جندت كل القوى من أجل النفاذ الى هذه الأسواق التي بقيت هدفها الرئيسي لسعتها والعدد الكبير للمستهلكين فيها فضلا عما تمثله المياه كمصدر رئيسي للأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وبالتالي النفوذ الاقتصادي والسياسي لهذه الشركات التي تتحصل على حقوق إدارة الخدمات المائية.

ومع ادماج الخدمات المائية في “الغاتس” ضمنت الشركات المائية العالمية هيمنتها على أسواق البلدان النامية وخاصة الشركات الأوروبية وتحديدا الفرنسية منها ونجد المجموعة العالمية” سويز أنفيريمنتال”، ومجموعة “فيفندي يونيفرسال”، وشركة “فيوليا” التي تواجدت في المغرب منذ سنة 2002، الى جانب الشركات البريطانية وتحديدا شركة “تاماس واتر” والألمانية، وكل هذه الشركات تسيطر على منظومة من الخدمات في البنية التحتية والمرافق الأساسية مثل المياه والطاقة والكهرباء.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي يتزعم قرار تحرير الخدمات المائية خدمة لمصالح الشركات المائية الأوروبية فان أطرافا أوروبية أخرى عارضت هذا التوجه وخاصة حركة “أصدقاء الأرض” التي ترى أن هذا التحرير لا يتناسب مع بلدان جنوب المتوسط وذلك استنادا لدراسات كشفت أن خصخصة الخدمات المائية تؤدي بصفة عامة الى ارتفاع تعريفة المياه.

هذا الموقف يساندها فيه حزب الخضر في البرلمان الأوروبي الذي طالب في سنة 2003 في إطار تقرير حول إدارة المياه في البلدان النامية وعلى لسان البرلماني البلجيكي بول لانوي بتعديل يستثني في مفاوضات المنظمة العالمية للتجارة تحرير المياه في هذه البلدان. هذا الطلب لم يتم التصويت لفائدته ليكرر الخضر طلبهم في نداء رسمي تم توجيهه أنذاك الى المدير العام للمنظمة العالمية للتجار باسكال لامي في المؤتمر الوزاري بكنكون.

++++++

لقد تابعت تونس، باعتبارها عضوا بالمنظمة العالمية للتجارة، من خلال وزارة التجارة، كل التطورات المتعلقة بملف تحرير الخدمات المائية والجدل القائم على المستويين الأوروبي والعالمي. ولئن نتفهم صمت وزارة التجارة في عهد النظام السابق الذي حرر الخدمات المائية قبل تحرير قطاع الخدمات في إطار اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995، فإننا نتساءل اليوم عن دورها في هذه المرحلة في إطار مشروع مجلة المياه الذي تبنته وزارة الفلاحة، لطرح الإشكاليات المتعلقة بالتحرير وفتح حوار وطني في الموضوع قبل تمريره الى مجلس نواب الشعب.

وبقطع النظر، كما أشرنا سابقا، عن المسائل التي لا تشكل موضوع اختلاف والتي تم التركيز عليها عند التسويق الإعلامي للمشروع من قبل الحكومة، فقد أقر المشرع بطريقة ضمنية وغير معلنة بتحرير الخدمات المائية من خلال اعتماد صيغ الترخيص المسبق، وعقد الامتياز، واللزمة، وكراس الشروط، وهي الصيغ المعتمدة لضمان نفاذ المستثمر الخاص سواء كان وطنيا أو أجنبيا، حيث لا يفرق قانون الاستثمار بينهما في تونس باعتبار مبدأ “المعاملة الوطنية” ومبدأ “الدولة الأكثر رعاية” وهي المبادئ التي يستند اليها النظام التجاري متعدد الأطراف.

فقد نص الفصل 47 من مشروع مجلة المياه على أنه: “يخضع كل استعمال أو استغلال للملك العمومي للمياه لترخيص أو امتياز أو لزمة أو كراس شروط…”

كما حدد المشرع المجالات التي تغطيها صيغ التفويت في الخدمات المائية للقطاع الخاص في الفصول 51 بالنسبة للترخيص المسبق، و57 بالنسبة لعقد الامتياز، و59 بالنسبة للزمة، و60 بالنسبة لكراس الشروط، وخص الفصل 62 لعقود الاستثمار.

لقد كنا ننتظر أن يتحول الجدل الذي لا يزال قائما على المستوى العالمي الى الساحة التونسية في إطار حوار وطني بخصوص تداعيات تحرير الخدمات المائية على الأسعار والمقدرة الشرائية للمواطن، والاستئناس بالتجارب السابقة والاتعاظ بها من منظور حماية السيادة الوطنية، الا أنه بات واضحا أن عملية التعتيم والتضليل كانت ممنهجة حيث لم نجد أي أثر لوزارة التجارة في مشروع المجلة المائية في الوقت الذي يستند فيه هذا التعديل الى الاتفاق العام لتجارة الخدمات الذي يعتبر من مشمولات وزارة التجارة.

وكالعادة اختفت الحكومة وراء مزايا فتح الخدمات المائية أمام القطاع الخاص التي يوهم بها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي ووراءها الشركات العالمية في المجال البلدان التي تشكو أزمة المديونية مثل تونس، لتسويق تحرير الخدمات المائية من خلال مختلف صيغ التفويت التي يعتبرونها صيغا ترمي الى معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية للدولة وتؤمن استدامة الموارد المائية والقطع أمام كل استعمال رخيص أو مجاني خاضع للتبذير في بلد يعاني من الشح.

لقد مهدت الترسانة التشريعية والقانونية التي ركزتها حكومة الشاهد في ظرف وجيز وقياسي لا يتعدى الثلاث سنوات لمشروع مجلة المياه وشكل قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص وقانون الاستثمار والقانون الافقي للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وغيرها من القوانين التي تستجيب لتحرير التجارة في قطاع الخدمات في تونس، شكلت كل هذه القوانين المناخ الملائم لتحرير خدمات المياه من خلال مختلف صيغ التفويت.

في هذا السياق تعمل المفوضية الأوروبية بكل قوة على تحرير الخدمات المائية في تونس بتفضيلها لنموذج يقوم على عقود الامتياز وعقد الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص متجنبة بذلك أسلوب الخصخصة المباشرة الذي أصبح مرفوضا شعبيا.

وتختلف طرق إدارة المرافق العمومية باختلاف السياسات والقطاعات والأنشطة حيث تستطيع الدولة اعتماد أسلوب الإدارة المباشرة لتسيير مرافقها أو الإدارة غير المباشرة حيث يكون تسييرها من طرف أشخاص طبيعيين أو معنويين. ويعتبر عقد الامتياز من أبرز الأساليب التي تفضلها الشركات المائية العالمية لتسيير المرفق العمومي المائي ويتمثل في أن تتعهد الإدارة المانحة للامتياز لشخص طبيعي أو معنوي خاص يسمى صاحب الامتياز مهمة استغلال المرفق لمدة معينة مع تحمل الأخير مسؤولية إدارة المرفق بأمواله وعماله مقابل تقاضي رسوم نتيجة للخدمة التي يقدمها للمنتفعين. ويخضع صاحب الامتياز لرقابة الإدارة المانحة للامتياز.

أما عقد الشراكة فيعهد بمقتضاه شخص عمومي الى شريك خاص بمهمة شاملة تتعلق كليا أو جزئيا بتصميم وإحداث منشأة أو تجهيزات أو بنى تحتية مادية أو لامادية ضرورية لتوفير مرفق عام. ويتولى الشريك بناء مرفق عمومي وتقديم الخدمة لفترة معينة لقاء استخلاص عائد لفائدته، وعند انتهاء المدة يقوم الشريك الخاص بتحويل المرفق للجهة الحكومية المعنية. وكمثال على ذلك يمكن ذكر مطار النفيضة.

ان التفويض بمقتضى عقد الامتياز لا يعني خصخصة المرفق العمومي. فالخصخصة تقتضي تنازل الدولة عن الممتلكات والأصول ومساهمتها في المرفق العمومي لصالح القطاع الخاص في حين أن الامتياز يعني تفويض مهمة استغلال وتسيير كل جزء من الأنشطة المائية لأشخاص معنوية عامة أو خاصة، وطنية كانت أو أجنبية، خلال مدة محددة دون التنازل التام عن الحقوق والممتلكات لصالح المفوض له حيث أقر المشرع أن الماء هو ملك عمومي غير قابل للتفويت.

أما اللزمة فهو عقد يفوض بمقتضاه شخص عمومي يسمى “مانح اللزمة” لمدة محددة الى شخص عمومي أو خاص يسمى “صاحب اللزمة” للتصرف في مرفق عمومي أو استعمال أو استغلال أملاك أو معدات عمومية وذلك بمقابل يستخلصه لفائدته من المستعملين حسب الشروط التي يضبطها العقد.

ولئن يعتبر عقد اللزمة عقدا إداريا فقد حرص المشرع التونسي على إخراجه عن اختصاص القضاء الإداري بما يعني أنه في صورة وقوع نزاع بين الدولة التونسية والمستثمر الأجنبي فانه يتم التحول الى التحكيم. وتبرر الجهات الرسمية التونسية قبول الدولة التونسية بالبند التحكيمي بتشجيعها للمستثمر الأجنبي. وفي هذا السياق يمكن ذكر عقد اللزمة مع مجموعة “بوخاطر” حيث ينص البند 26 فقرة 3 على خضوع العقد للتحكيم في باريس أي الى قواعد التحكيم لغرفة التجارة الدولية.

من هذا المنطلق يتضح أنه لا يمكن حصر مخاطر تحرير الخدمات المائية على السيادة الوطنية والأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وعلى المقدرة الشرائية للمواطن وعلى منظومة الإنتاج الوطنية. وإقرار صيغ تفويت جديدة هي عملية التفاف على خصخصة المرفق العمومي وذلك بتخطيط من الشركات العالمية، وتواطؤ من الحكومات مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي من جهة، وتضليل للمواطن الذي تم ايهامه بأن الماء هو ملك عمومي وثروة وطنية في حين استثناه الاتفاق العام لتجارة الخدمات “الغاتس” من الحماية البيئية وسمح للشركات العالمية باستنزافه ومنع الحكومات من تقييد حريتها.

ان إقرار مشروع مجلة المياه في صيغته النهائية الحالية يشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني في مفهومه الشامل، تهديد لا يقل خطورة عن بقية القوانين التي صادق عليها مجلس نواب الشعب في قترة حكومة الشاهد والتي  قضت على كل أمل في حماية البلاد من هيمنة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والشركات العالمية على الخدمات المائية… والخدمات المالية… والقانونية… وخدمات الصحة… والتعليم… والنقل… وخدمات الهندسة …في انتظار سلطة تشريعية تتحمل مسؤوليتها التاريخية والوطنية.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
4
أغضبني
1
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top