أنت بصدد قراءة مقال
رؤية فنية لوضعية الموارد العلفية في تونس

رؤية فنية لوضعية الموارد العلفية في تونس

Avatar

طه النجار باحث و استاذ يالمعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس

اعتمد الإنتاج الحيواني مدة عقود من الزمن وحتى الثلث الأول من القرن العشرين أساسا على المراعي والموارد الغذائية الطبيعية إلا أن التطور الديمغرافي إثر الثورة الصناعية نتج عنه زيادة هامة في الحاجيات الغذائية للبشرية كما ونوعا، مما أدى إلى تنويع وتكثيف التربية والإنتاج الحيواني، وبالتالي وجدت ضرورة لتكثيف انتاج الموارد الغذائية للتغذية الحيوانية.

 في هذا الإطار تم تطوير الزراعات العلفية، واستعمال المواد الأولية التي كانت مخصصة لتغذية الإنسان كالحبوب والبقوليات  وادخالها في العليقة الغذائية للحيوانات كتكملة علفية، وأيضا الالتجاء الى تثمين المخلفات الفلاحية والصناعية.

نسبة المواد  العلفيةالبديلة مازالت ضعيفة ولا تتجاوز 10% من المواد الموردة

يمكن تعويض 50% من كسب الصوجا في الأعلاف بالفول المصري والحصول على نفس سرعة النمو ومستوى الانتاج

وبدأت المرحلة الموالية في تطور التغذية الحيوانية خلال خمسينيات القرن الماضي مع ظهور صناعة الأعلاف المركزة والتي أصبحت بمرور الزمن من الأنشطة الصناعية والاقتصادية الأساسية للعديد من الدول.

 كما قامت بعض الدول بتطوير واحتكار إنتاج بعض المواد الأولية الأساسية لصناعة الأعلاف كالولايات المتحدة الأمريكية وبلدان أمريكا الجنوبية في ما يخص الذرة وفيتورة الصوجا.

 وفي تونس بدأت صناعة الأعلاف المركزة في منتصف السبعينات، وتطورت بصفة شبه متواصلة ومتوازية مع تطور وتكثيف الإنتاج الحيواني وخاصة انتاج الدواجن   لتبلغ سنة 2016 حوالي2،4 مليون طن، في حين كانت كمية المواد الأولية الموردة 2166 طنا وتمثل حبوب الذرة والشعير وحبوب وكسب الصوجا قرابة 86% من هذه الكميات.

 ويبلغ عدد وحدات تصنيع الأعلاف المشتغلة  سنة 2016 ما يناهز 149 وحدة يتوزع أغلبها على ولايات نابل وزغوان وصفاقس وبنزرت وسوسة والمنستير وسيدي بوزيد.

ويمكن حوصلة أهم خاصيات صناعة الأعلاف في تونس في النقاط التالية:

  •    تعتمد صناعة الأعلاف على عدد محدود من المواد الأولية هي أساسا الشعير، الذرة، النخالة، كسب الصوجا                              
  •  نسبة مهمة من المواد الأولية مستوردة باستثناء نسبة من الشعير والنخالة تتغير من سنة إلى  أخرى حسب الإنتاج المحلي المرتبط بالعوامل المناخية مما يجعل سعر التكلفة للأعلاف مرتبط أساسا بتغير أسعار المواد الأولية الأساسية في السوق العالمية.

 ورغم انفتاح قائمة المواد الأولية الموردة على عدد من المواد البديلة خلال السنوات الأخيرة الا ان نسبتها تبقى ضئيلة ولا تتجاوز 10% من المواد الموردة.

  •  بقي توريد المواد الأولية حكرا على الدولة و بقيت أسعارها مدعمة لفترة طويلة خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي ومع بداية التسعينات وقع تخفيض هذا الدعم تدريجيا ليبقي محدودا منذ سنة 2005 أساسا في سعر الشعير المستورد.            

تعتمد صناعة الأعلاف في تونس على عدد محدود من المواد الأولية هي أساسا الشعير، الذرة، النخالة، كسب الصوجا

خاصيات السوق العالمية للمواد الأولية

من أهم خاصيات السوق العالمية للمواد الأولية عدم استقرار الأسعارالتي تتغير حسب العديد من العوامل وخاصة منها تقديرات كميات الإنتاج في البلدان المنتجة وهي مرتبطة أساسا بـ :

  •  العوامل المناخية.
  •  العقود المبرمة على المدى القصير، المتوسط، والطويل مع أهم الأسواق الموردة.
  •  مستوى المخزون العالمي من هذه المواد.
  •  كما يلعب مستوى النمو الاقتصادي للبلدان المستهلكة والوضع الجيو سياسي دورا في استقرار الاسعار أو تغيرها.

ويمكن تلخيص أبرز مميزات السوق العالمية للمواد الأولية لصناعة الأعلاف في النقاط التالية :

  •  ارتفاع متواصل لمستوى إستهلاك المواد الأساسية وذلك توازيا مع تطور الحاجيات من المنتجات الحيوانية والزيوت النباتية.

 ومن أهم التغيرات في هذا المجال هو ارتفاع استهلاك الصين والهند خلال العشريات الفارطة  من المواد الأولية وخاصة الذرة حيث تحولت الصين من بلد مصدر إلى مورد لهذه المادة.

  •  من ناحية أخرى سجل المخزون العالمي والاستراتيجي من أهم المواد الأولية أدنى مستوياته في فترات متعددة وفي العديد من البلدان وهو ما أثر سلبا على أسعارها.

 كما أن الضغط المتواصل على الموارد الطبيعية الضرورية لإنتاج المواد الأولية وخاصة التربة والمياه ومنافستها لأغذية الانسان ي

شكل عنصرا  مهما في ارتفاع أسعارها.

  •   تركز إنتاج المواد الأساسية في بعض البلدان مما يجعل أسعارها تتأثر مباشرة بالوضعية المناخية والإقتصادية لتلك البلدان. 
  •  تطور متواصل لاستعمال بعض المواد الأولية الأساسية وخاصة الذرة في صناعة الوقود النباتي، اذ تطورت كمية الذرة المستعملة لإنتاج الإيثانول من 29،4 مليون طن سنة 2004 إلى 55 مليون طن سنة 2006 و 76 مليون طن سنة 2008 لتصل الى أكثر من 300 مليون طن سنة 2017.

 والنتيجة الحتمية لهذه الوضعية هو تواصل عدم استقرار أسعار المواد الأولية الأساسية مع توجه عام ومستمر نحو الارتفاع.

وهذه الوضعية جعلت العديد من الدول، خاصة دول أوروبا، تسعى منذ سنوات عديدة إلى تحقيق حد أدنى من الإنتاج المحلي بما يحقق أمنها من بعض المواد الأولية كالحبوب والبقوليات.

 

كما برز اتجاه اخر يخص استعمال المواد البديلة في صناعة الأعلاف لتخفيض تأثير ارتفاع أسعار المواد الأساسية على تكلفة الأعلاف والمنتجات الحيوانية.

 ارتفاع استهلاك الصين والهند من المواد العلفية من أسباب ارتفاع أسعار الأعلاف في السوق العالمية

القطاع الصناعي أصبح ينافس الفلاحة في مجال المواد الأولية للأعلاف

استعمال أكثر من 300 مليون طن من الذرة  في انتاج وقود “الإيثانول” سنة 2017 على المستوى العالمي

المنهجية التقنية لدراسة امكانية ادماج المواد البديلة

طرق عديدة تمكن من تحديد الجدوى الغذائية والاقتصادية لإدماج مواد أولية بديلة في تركيبة العلائق الغذائية المركزة للحيوانات. أهم هذه الطرق هي :

  •  القيام بتجارب ميدانية على الحيوانات تتعلق بإدماج نسب مختلفة من المادة الأولية البديلة، وتقييم تأثيرها على مستوى ونوعية الإنتاج.

 هذه الطريقة مكلفة وتستوجب توفر العديد من الحيوانات والأعلاف كما تتطلب كثيرا من الوقت والجهد، إلا أنها ضرورية بالنسبة للمواد البديلة الجديدة أو التي تم تحويلها أو إدخال تغيير على تركيبتها.

 من ناحية أخرى، يعتبر القيام بهذه التجارب مفيدا وأحيانا ضروريا بالنسبة للمواد الأولية التي يقع إدخالها للمرة الأولى في بلد ما لمعرفة سلوك هذه المادة في الظروف الخصوصية للإنتاج  في ذلك البلد وتبسيط تعميم استعمالها لدى المربين.

  •  تحديد سعر الجدوى للمادة الأولية البديلة، أي السعر الأدنى الذي يسمح بإدماج المادة البديلة في التركيبة العلفية وذلك عن طريق البرامج المعلوماتية المختصة في صياغة التركيبة المئوية للأعلاف اعتبارا للتركيبة الكيميائية والقيمة الغذائية للمادة الأولية والمواد الأساسية التي سيقع تعويضها، وثمن كل منها، والخصائص الغذائية للعلف.

كما يمكن القيام بنماذج حسابية تسمح بتحديد هذا السعر في ظروف اقتصادية مختلفة وبسرعة دون الحاجة إلى إعادة صياغة مختلف التركيبات العلفية.

أهم نتائج دراسة إدماج المواد البديلة

عديد الدراسات والبحوث تم انجازها حول المواد الأولية البديلة ويمكن تلخيص

أهم النتائج المتحصل عليها في ما يلي:

  •    إدماج دبق الذرة في التركيبة العلفية للأبقار الحلوب بنسبة تصل إلى 30 % يحافظ على مستوى إنتاج الأبقار وعلى نوعية الحليب مع تخفيض تكلفة العلف وهذا الإدماج ينتج عنه انخفاض في نسبة الشعير والذرة وكسب الصوجا في التركيبة العلفية.   
  •   إدماج ثفل تقطير الذرة بنسبة 30% في التركيبة العلفية لعجول التسمين والأبقار الحلوب لايغير بصفة مؤثرة إحصائيا في مستوى إنتاج الحيوانات (سرعة النمو، إنتاج الحليب)، ولا في نوعية المنتوج,

 وينتج عن هذا الإدماج انخفاض في نسبة الذرة وكسب الصوجا مما يؤدي إلى انخفاض تكلفة العلف المركز بقرابة  5%.

  •  يمكن تعويض 50% من كسب الصوجا في أعلاف تسمين العجول وأبقار الحلوب بالفول المصري والحصول على نفس سرعة النمو ومستوى الانتاج ونوعية الحليب مع تخفيض في تكلفة العليقة.
  •  ادماج كسب السلجم بنسبة 15% في تغذية الأبقار الحلوب وعجول التسمين، لا ينتج عنه أي اختلاف في مستوى الانتاج ولا في نوعية المنتوج.

مقترحات

المقترحات التي يمكن القيام بها على ضوء المعطيات العامة الخاصة بالسوق العالمية للمواد الأولية، ووضع قطاع الإنتاج الحيواني وقطاع صناعة الأعلاف في تونس، ونتائج الدراسات المتوفرة حول المواد الأولية البديلة اضافة إلى الدراسات التي تم انجازها  في هذا المجال يمكن تقسيمها إلى قسمين يتعلق القسم الأول بالمواد البديلة المتوفرة بالسوق العالمية أو المستوردة،  بينما يخص القسم الثاني المواد المنتجة محليا.

  1.  المواد الأولية البديلة المستوردة

في ما يخص المواد الأولية التي يمكن استيرادها يمكن تقديم المقترحات االتالية :

  • على المدى القصير ضرورة استيراد المواد الأولية البديلة التي يكون سعرها أقل من سعر الجدوى وتمتيعها بحوافز لتشجيع الموردين على القيام بذلك.
  • كما يمكن في مرحلة أولى للهياكل تحت إشراف وزارة الفلاحة كديوان الحبوب، وديوان تربية الماشية وتوفير المرعى، أن تتولى هذه العملية.  
  •     تعويد المربين على استعمال الأعلاف المحتوية على المواد الأولية البديلة وذلك بتوفير هذه الأعلاف بصفة مستمرة وانجاز برامج إرشاد وإحاطة فنية ، وجعل فارق السعر ينعكس على ثمن بيع الأعلاف   
  •  تشديد المراقبة على نوعية الأعلاف وخاصة المحتوية على مواد أولية بديلة وضمان مطابقتها للمواصفات وللحاجيات الغذائية للحيوانات.
  •  مواصلة ودعم الأبحاث والتجارب الميدانية حول استبدال المواد الرئيسية بالمواد البديلة في تركيبة الأعلاف، والقيام ببرامج تكوينية وتوعوية لتقديم نتائج هذه الأبحاث وذلك لفائدة الفنيين والمربين وصانعي الأعلاف.  
  •    العمل على تحرير كامل لعملية استيراد كل المواد الأولية وتخفيض نسب المعاليم الديوانية والجبائية إلى الحد الأدنى حتى نضمن للمنتج التونسي ظروف المنافسة ومجابهة الوضع الناجم عن تحرير تجارة المنتجات الفلاحية  بالتوازي مع هذا الإجراء تجب مراقبة جودة المواد المستوردة ومطابقتها للمواصفات.
  •    تشجيع المستوردين وصانعي الأعلاف على الاستثمار في تطوير البنية التحتية المتعلقة بخزن وادماج المواد الأولية البديلة.                                                                                                       

المواد الأولية المنتجة محليا

رغم محدودية إنتاج المواد الأولية المحلية، إلا أن هناك إمكانيات حقيقية لتطوير هذا الإنتاج وجعله يساهم بصفة فعلية في المحافظة على أسعار الأعلاف المركزة وفي بعض الأحيان تخفيض كمية المواد الأولية المستوردة.

 ومن بين المقترحات التي يمكن تقديمها في هذا المجال:

  •  مواصلة دعم وتطوير برنامجي  إنتاج السلجم والفول المصري، وبرنامج تجميع الفول المصري وإدخاله في التداول الزراعي للحبوب بحيث تتزايد  المردودية والكميات المنتجة وتنخفض الكلفة.
  •  تطوير استعمال الفول المصري في التركيبات العلفية والعلائق الغذائية للمجترات كتعويض نسبي لكسب الصوجا في هذه الأعلاف.
  •  دراسة إمكانية وجدوى تطوير زراعة التريتيكال واستعمالها كبديل نسبي لحبوب الذرة، ومواصلة دعم برنامج زراعة السلجم.
  •  العمل على تحسين إنتاج الشعير كما ونوعا وتطوير المساحات المخصصة له باستعمال الأصناف المقاومة للملوحة والجفاف مع أخذ القيمة العلفية لمختلف الاصناف في برامج التحسين الوراثي .
  •  دراسة الإمكانيات الحقيقية لتثمين المخلفات الفلاحية و الصناعية في التغذية الحيوانية وطرق إدماج بعض هذه المخلفات في صناعة الأعلاف.
  •  بعث برنامج تكويني وارشادي خاص بتقنيات صناعة الأعلاف والطرق المثلى لاستعمالها في التسيير الغذائي المحكم للحيوانات.

في هذا الاطار تم بعث مركز تدريب بالمعهد الوطني للعلوم بالتعاون مع مجلس الحبوب الأمريكي خاص بصناعة واستعمال الأعلاف المركزة ليساهم في تكوين الفنيين العاملين في هذا المجال.

وزيادة على هذه الإجراءات، من الضروري والمؤكد العمل على تحسين العلائق الغذائية الرئيسية المقدمة للحيوانات المجترة لتخفيض كمية الأعلاف المركزة المقدمة لها.

لابد من زيادة المساحات المخصصة للأعلاف الخشنة و تكثيف إنتاج هذه الأعلاف في المناطق السقوية

من الضروري بعث برنامج تكويني وارشادي خاص بتقنيات صناعة الأعلاف والطرق المثلى لاستعمالها

 ومن بين الإمكانيات  المتاحة في هذا المجال |زيادة المساحات المخصصة للأعلاف الخشنة و تكثيف إنتاج هذه الأعلاف في المناطق السقوية مع تحسين نسبة استهلاك وهضومية القرط والتبن بطريقة الحش او الرحي والوضع في قوالب.

 وفي هذا الإطار نشير إلى أهمية صناعة قوالب التبن التي يمكن استعمالها مباشرة من طرف المربين، وخاصة مربي الوسط والجنوب أو بعد تحسينها بإضافة نسبة من المواد الأزوتية والأملاح والفيتامينات حيث يمكنها تعويض أعلاف المحافظة على القطيع.

كما تجدر الإشارة إلى أهمية تكوين لجنة متابعة تتكون من ممثلين عن الإدارة العامة للإنتاج الفلاحي، مؤسسة البحث والتعليم العالي الفلاحي، ديوان تربية الماشية وتوفير المرعى، الغرفة النقابية لصانعي الأعلاف، والإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وبقية ممثلي المنتجين والمتدخلين في منظومات الانتاج الحيواني، تقوم بمتابعة أسواق المواد الأولية العالمية والوضعية الوطنية لقطاع الأعلاف وتقوم باستشراف تغيرات أسعار المواد الأولية وتقديم اقتراحات عملية في الإبان.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
9
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
1
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top