أنت بصدد قراءة مقال
ثورة الفلاحين ضد القهر والاستبداد سنة 1906..

ثورة الفلاحين ضد القهر والاستبداد سنة 1906..

Avatar

في صباح 26 أفريل توجه العشرات من الجموع الغاضبة وفي مقدمتهم “عرش القدادشة” إلى ممتلكات المعمرين للاستيلاء عليها وقرروا الانتقام منهم وقتلهم إلاّ من أعلن دخوله في الإسلام
الفلاحون الثائرون تقبلوا الرصاص بصدور عارية
انتفاضة الفلاحين سنة 1906 بقيت حدثا خالدا إلى اليوم رغم أن النخبة السياسة في ذلك الوقت لم تنصفها واعتبرتها عملا إجراميا

لما استتب الأمر للمستعمر الفرنسي في تونس بعد سنوات من المقاومة المسلحة في مختلف ربوع البلاد التونسية، بدأ الاحتلال يوطّن لأركانه في مختلف المجالات والجهات وخاصة القطاع الفلاحي الذي حاول السيطرة عليه المعمرون الفرنسيون إضافة إلى معمرين آخرين قدموا إلى تونس من إيطاليا وإسبانيا ومالطا وغيرها.
وبعد فترة تجاوزت العشرين عاما خمدت فيها المقاومة التونسية الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي بسبب سجن بعض القادة وهروب عدد أخر إلى ليبيا وإسطنبول ومع بداية بروز جيل جديد من الحركة الوطنية من خريجي المدرسة الصادقية برزت في تلك الفترة، انتفاضة الفلاحين في تالة 1906 لتؤكد للمستعمر الفرنسي أنه مازال هنالك شعور وطني بضرورة مقاومة المستعمرين وخاصة المعمّرين.
وقد ظهرت ثورة الفلاحين أو انتفاضة الفراشيش في وسط ريفي تمثل الفلاحة قوته اليومي ومصدر عيشه وكل ما يملك، كما مثلت أيضا السبب الأول والرئيسي لانطلاقة شرارة الثورة التي جلبت إليها الأنظار في فترة كانت البلاد ترزح فيها تحت وطأة الاحتلال والظلم والقهر.

أسباب اندلاع الثورة
لقد ساهمت عدة أسباب في انتفاضة الفراشيش ضد المستعمر وخاصة ضد المعمرين الذين استبدوا وظلموا الأهالي في تلك الربوع حتى بلغ الأمر بالمقيم العام الفرنسي في تونس سنة 1901 بالتذمر منهم لسلطات باريس.

ولقد كان الاحتلال الفلاحي وسيطرة المعمرين على الأراضي التونسية أسوء أنواع الاستبداد والاحتلال فتم تجريد الفلاحين الفراشيش من أراضيهم وانتزاعها منهم عنوة وغصبا مع إبقائها بأيديهم مؤقتا ووضع قيود على حرية تصرفهم فيها وهو ما زاد من الشعور بالاحتقان داخل عروش الفراشيش الذين تحولوا إلى جيش من الفقراء إذ عمت بينهم المجاعة خاصة في هذه الفترة مما اضطر السكان إلى أكل الحشائش البرية مثل نبتة التلغودة.
وفي المقابل كان المستوطنون يعيشون ظروفا حسنة، مسلطين على الأهالي أصناف المعاملات القاسية مما جعل العلاقات بين الطرفين تتميز بالتوتر الدائم.
ولقد سعت فرنسا إلى توطين رعاياها في تونس وتمليكهم الأراضي فتم استقدام المعمرين وتوطينهم بكل الجهات ومنها تالة والقصرين وتم إعطاءهم أجزاء كبيرة من الأراضي مثل هنشير القصرين الذي كان على ملك سكانه ولكن منذ سنة 1896 وبعد صدور بعض القوانين العقارية الفرنسية تم ضم جزء منه للدولة تمهيدا لإهدائه للمعمرين الأوروبيين.

عروش الفراشيش تحولوا إلى جيش من الفقراء بعد أن عمت بينهم المجاعة واضطر بعضهم إلى أكل الحشائش البرية.

ومن العوامل الاخرى المساهمة في هذه الثورة استعمال المستعمرين الأوروبيين كل الطرق للسيطرة على أراضي الفلاحين التونسيين مثل تقديم القروض للفراشيش بسخاء مقابل رهن أراضيهم ثم السيطرة عليها ومصادرتها لاحقا إضافة إلى استعمال طرق دنيئة في الاستحواذ على الأراضي التونسية والتحيّل على أهلها مستغلين عدم قدرة اغلب الأهالي على القراءة والكتابة وذلك بدعم من سلطات الاحتلال التي أغرقت الفلاحين في الضرائب وهو ما زاد من احتقان الأهالي الذين نفذ صبرهم تجاه الجور المتزايد فأعلنوا العصيان والثورة ضد المعمرين والمستعمر.

ثورة بقيادة عمر بن عثمان

اندلعت ثورة الفلاحين أو الفراشيش في 26 أفريل سنة 1906 بقيادة عمر بن عثمان الذي كان يتمتع بمكانة خاصة لدى الأهالي و منهم من يعتبرونه وليا صالحا وهو ما أعطى للانتفاضة طابعا دينيا في ظلّ انتشار الصوفية الطرقية آنذاك في تلك الجهة.

إقراء أيضا

وتشير وقائع الثورة إلى أنّه وفي صباح 26 أفريل توجه العشرات من الجموع الغاضبة وفي مقدمتهم “عرش القدادشة” إلى ممتلكات المعمرين ومزارعهم وقرروا الانتقام منهم وقتلهم والاستيلاء على أراضيهم إلاّ من أعلن دخوله في الإسلام وذلك كردة فعل على ما لحق هؤلاء المزارعين من ظلم وقهر وتعسف من طرف المعمرين وتم في ذلك اليوم قتل 3 معمرين وأسر 4 آخرين والاستيلاء على ما وجد في الضياع والمزارع.

ظهرت ثورة الفلاحين أو انتفاضة الفراشيش في وسط ريفي تمثل الفلاحة قوته اليومي ومصدر عيشه وكل ما يملك

وفي اليوم التالي توجه الفلاحون الثائرون نحو تالة حيث كانت الأخبار قد بلغت السلطات هناك قبل وصولهم فتهيأ لهم الجميع من جنود احتلال “صبايحية” وتجار على أسوار المدينة وما إن اقتربت جموع “القدادشة” حتى اقتنصتهم بنادق المتأهبين على أسوار تالة دون أن يكون هنالك ردة فعل لهؤلاء الثوار الذين تقبلوا الرصاص بصدور عارية حتى ان بعض المؤرخين تحدثوا على انهم لوحوا بعصيهم تجاه الأبراج ربما منتظرين حدوث معجزة بخروج النار فسّرها البعض على أنها “تخميرة صوفية” وقتل في تلك المذبحة 12 تونسيا ودفنتهم قوات الاحتلال في قبر جماعي بقي في الذاكرة إلى يسمى “حفرة الإثناش”.

نتائج وخيمة
اعتبرت السلطات الفرنسية قضية الفراشيش قضية حق عام وليس قضية سياسية، ولم تنظر المحاكم الفرنسية في الظلم الذي سُلّط على الفراشيش ودامت المحاكمات أشهرا تم خلالها تعذيب الثوار بشكل مريع وصدرت أحكام باتة في شهر ديسمبر من نفس العام وبالتحديد في 12 ديسمبر 1906 حيث قضت محكمة بسوسة على عمر بن عثمان بـ10 سنوات سجن مع الأشغال الشاقة إضافة إلى 20 سنة إبعاد وبسبب تعرضه للتعذيب بشكل خاص توفي بن عثمان في العام الثاني من سجنه في 13 ماي 1906.
كما قضت المحكمة بالمؤبد مع الأشغال الشاقة لعلي بن صالح وحراث بن علي فيما تغيّر حكم محمد بن علي ومحمد بن قعيد وعمر بن علي من الإعدام إلى المؤبد مع الأشغال الشاقة وتراوحت بقية الأحكام بين سنتين و 20 سنة على 14 شخص فيما برأت المحكمة 8 أشخاص.
وبقيت انتفاضة الفلاحين سنة 1906 حدثا خالدا إلى اليوم رغم أن النخبة السياسة في ذلك الوقت لم تنصفها واعتبرتها عملا إجراميا دون أن تتعمق في الأسباب القاهرة التي حولت هؤلاء الأهالي من فلاحين إلى ثائرين بسبب ما طالهم من استبداد وجور حتى أنّه صدر مقال يوم 24 ماي 1906 في الجريدة الفرنسية “البرقية الفرنسية” أكد أنّ “ثورة الفراشيش” منطقية فلو احتلت ألمانيا فرنسا فسيسعى الفرنسيون للقيام بتمرد على شاكلة الفراشيش.
من خلال استعراضنا لثورة الفراشيش نرى أنّه حان الوقت لإعادة الاعتبار إلى أبطال تونس «الصّامتين » الّذين صنعوا أمجادها على امتداد مئات السنين وإبراز دور الفلاّحين في معارك التحرير ضد المستعمرين

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top