أنت بصدد قراءة مقال
ثروتنا الجينية والبيولوجية في قبضة الشركات العالمية

ثروتنا الجينية والبيولوجية في قبضة الشركات العالمية

  • رغم شروع تونس منذ 2005 في إعداد مشروع قانون حول السلامة الإحيائية إلا أن هذا القانون لم يمر الى مجلس نواب الشعب ولا يزال في مستوى الاستشارة لدى الوزارات ذات العلاقة !
  • رغم خطورة المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي في الجانب المتعلق بحقوق الملكية الفكرية ضمن اتفاقية "الأليكا" فإن الجانب التونسي الرسمي لم يتعرض الى هذه المسألة وركز تسويقه الإعلامي فقط على حرية تنقل الأشخاص.

اتفاقية التجارة في حقوق الملكية الفكرية

ان أخطر ما تتعرض له البلدان النامية، بما في ذلك تونس، هو استغلال الشركات العالمية لموروثها البيولوجي تحت غطاء قانون دولي يعتمد براءة الإختراع، دون أخذ إذن أو تصريح من البلد صاحب الموارد البيولوجية

نبه تقرير دائرة المحاسبات الصادر في سنة 2016 الى المخاطر الناتجة عن غياب الإطار القانوني لإنتاج البذور والشتلات المحورة جينيا على المستوى الصحي والبيئي، كما نبه الى غياب قانون لحماية مواردنا الجينية والبيولوجية.
وقد تزامن صدور هذا التقرير مع انطلاق الجولة الأولى للمفاوضات بين تونس والاتحاد الأوروبي حول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق “الأليكا” يوم 18 أفريل 2016 والذي يشمل تحرير قطاعي الفلاحة والخدمات، والاستثمار، وحقوق الملكية الفكرية.
ورغم خطورة المفاوضات في الجانب المتعلق بحقوق الملكية الفكرية، من منظور السيادة الوطنية، على موروثنا الثقافي والبيولوجي، لم يتعرض الجانب التونسي الرسمي الى هذه المسألة ليركز تسويقه الإعلامي على تحرير القطاع الفلاحي وحرية تنقل الأشخاص.
وتعتبر تونس من البلدان التي صادقت في سنة 1994 على “اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية” أو ما يعرف باتفاق تريبس (TRIPS) الذي تديره المنظمة العالمية للتجارة، كما صادقت على بروتوكول “قرطاجنة “التابع لاتفاقية التنوع البيولوجي في سنة 2002 والرامي الى حماية التنوع البيولوجي من المخاطر المحتملة التي تشكلها الكائنات الحية المعدلة وراثيا والناتجة عن التكنولوجيا الحيوية الحديثة.
ومن هذا المنطلق شرعت تونس ومن خلال وزارة البيئة في إعداد مشروع قانون حول السلامة الإحيائية، وذلك منذ سنة 2005، الا انه لم يمر الى مجلس نواب الشعب ولا يزال في مستوى الاستشارة لدى الوزارات ذات العلاقة.
ولئن بدأ يتبلور لدى الرأي العام التونسي والمهنيين موقف واضح من تحرير القطاع الفلاحي وخطورة ذلك على سيادتنا الغذائية واستقرارنا الاجتماعي، فان الحديث عن تداعيات المفاوضات في باب حقوق الملكية الفكرية وخاصة تلك المتعلقة بالتنوع البيولوجي والموروث البيولوجي في غياب تشريعات وطنية، يدفع الى التساؤل عن حظوظ الجانب التونسي في حماية موروثنا البيولوجي الوطني من القرصنة البيولوجية ونهب الشركات العالمية.
ويتعمق التخوف من هذه المفاوضات في ظل التضارب الموجود بين اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي و اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية في مستوى المادة 27 – 3 –ب التي تقصي المعارف التقليدية ذات الصلة بالتنوع البيولوجي من الحماية بما يشجع الشركات العالمية على الاستيلاء عليها دون ترخيص ولا تعويض للدول، في الوقت الذي تكرس فيه اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي سيادة الدول على مواردها البيولوجية وتضمن الحقوق الحمائية للشعوب الأصلية على مواردها ومعارفها التقليدية المرتبطة بها.

الشركات العالمية الناشطة في مجال الأدوية تتعمد نهب الأعشاب والنباتات الطبية بحجة البحث العلمي وتستغلها في إنتاج الأدوية ولكنها لا تمنح أية حقوق للمادة الخام التي صنع منها المنتج النهائي ولا للسكان الأصليين في المنطقة التي توجد بها هذه المواد الأولية

الخطر القادم
ان أخطر ما تتعرض له البلدان النامية، بما في ذلك تونس، هو استغلال الشركات العالمية لموروثها البيولوجي ومعارفها التقليدية ذات الصلة واستثمارها في انتاج الأدوية والبذور والمواد الكيميائية وغيرها تحت غطاء “اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية” وذلك في ضرب صارخ لحقوق الفلاحين والمزارعين ومنتجي النباتات ومربي الحيوانات، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل حول المرجعية التي يمكن أن يستند اليها الجانب التونسي في مفاوضاته الجارية مع الاتحاد الأوروبي لتوفير شروط الحماية القانونية لمعارفنا التقليدية ذات الصلة بالتنوع البيولوجي، خاصة في ظل القانون النموذجي الذي أعده الاتحاد الافريقي في سنة 1998 استجابة لطلب مجلس وزراء منظمة الوحدة الافريقية، وتونس عضو بها، لوضع نظام “فعال وفريد من نوعه” لحماية حقوق المجتمعات المحلية والمزارعين والمربين، وتنظيم الحصول على الموارد البيولوجية طبقا لاتفاقية التنوع البيولوجي التي تضمن الحق السيادي والثابت للدولة على مواردها البيولوجية.
لقد عبرت المجموعة الإفريقية التي تنتمي لها تونس، في المفاوضات متعددة الأطراف للمنظمة العالمية للتجارة حول “اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية” عن تخوفها من تطبيق هذه الاتفاقية ذات الصبغة الإلزامية لما تمثله من تهديد للموارد البيولوجية والمعارف التقليدية بما في ذلك المعارف الزراعية والغذائية .
ولئن منحت اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية فترة انتقالية للبلدان النامية الأعضاء في المنظمة لملاءمة تشريعاتها الوطنية المتعلقة بحماية التنوع البيولوجي مع أحكام هذه الاتفاقية، فقد برزت تخوفات كشفت عن طبيعة التحديات والتهديدات المحدقة بالبلدان النامية نتيجة التزامها بها، معتبرة ذلك تكريسا لاتساع الفجوة بينها كصاحبة الثروة البيولوجية المرتبطة بالمعارف التقليدية من جهة، وبين البلدان المتقدمة صاحبة التكنولوجيا من جهة أخرى، باعتبار أن هذه الأخيرة قد وضعت أحكام الاتفاقية على مقاس الشركات العالمية التي تسعى الى استنزاف الثروات الطبيعية تحت غطاء قانون دولي يعتمد براءة الاختراع، دون أخذ إذن أو تصريح من البلد صاحب الموارد البيولوجية، بما حولها الى تابع للدول المتقدمة والشركات العالمية.
لقد استندت البلدان النامية بما في ذلك بلدان المجموعة الافريقية في رفضها للمادة 27 -3 –ب لاتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية الى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي وطريقة تعاطيها مع الموروث البيولوجي والمعارف التقليدية ذات الصلة.
وتعتبر اتفاقية التنوع البيولوجي أولى الاتفاقيات الدولية التي اعترفت بضرورة صيانة التنوع البيولوجي واعتباره اهتماما مشتركا لجميع الشعوب بما يلزم كل الأطراف الأعضاء باتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق الأهداف الأساسية للاتفاقية والمتمثلة في صيانة وحفظ التنوع البيولوجي، والاستخدام الدائم لعناصره، والتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناتجة عن استخدام موارده.
التنوع البيولوجي : التعريف والأبعاد الاستراتيجية
يعتبر مصطلح التنوع البيولوجي حديثا وظهر في منتصف ثمانينات القرن الماضي من قبل المهتمين بالبيئة حيث نادوا بتحمل المجتمع المدني مسؤولية حماية الكائنات الحية (هي جميع الكائنات الحيوانية والنباتية أو جراثيم أو ما شابهها) وأوساطها البيئية باعتبارها تراثا طبيعيا تشكل عبر التاريخ.
وقد أخذ مجال التنوع البيولوجي أبعادا استراتيجية بعد ظهور اتفاقية التنوع البيولوجي التي أبرمت في 5 جوان 1992 خلال مؤتمر ريو دي جانيرو بالبرازيل المنعقد تحت رعاية الأمم المتحدة وتحت شعار “الأرض بين أيدينا”، لتدخل حيز التنفيذ في 29 ديسمبر 1993 .
وقد عرفت هذه الاتفاقية التنوع البيولوجي على أنه ” تباين الكائنات العضوية الحية المستمدة من كافة المصادر بما فيها، ضمن أمور أخرى، النظم الايكولوجية الأرضية والبحرية والأحياء المائية والمركبات الايكولوجية التي تعد جزءا منها”.
ويشمل تعريف الاتفاقية للتنوع البيولوجي في مفهومه الشامل المعارف التقليدية الثقافية والمعارف التقليدية الزراعية والفلاحية.
وفي ذات السياق تعرف الاتفاقية المعارف التقليدية المرتبطة بالتنوع البيولوجي بأنها “كل ابتكارات وممارسات المجتمعات الأصلية والمحلية التي تجسد أساليب الحياة التقليدية ذات الصلة بالتنوع البيولوجي واستخدامه على نحو قابل للاستمرار”. وتشمل هذه المعارف الموارد الوراثية البيولوجية والممارسات الزراعية والمعارف العلاجية مثل المحاصيل الفلاحية والأعشاب الطبية.
ومن هذا المنطلق ترى الاتفاقية الأممية للتنوع البيولوجي أن ديمومة هذه المعارف والموارد يبقى رهن حمايتها القانونية من خلال الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الملكية الفكرية باعتبارها ابداعات فكرية وممارسات موروثة في المجتمع.
ولعل من أهم المبادئ التي جاءت بها هذه الاتفاقية مبدأ السيادة حيث تؤكد على أن للدول حقوقا سيادية على مواردها البيولوجية ولها أحقية استغلالها طبقا لسياستها البيئية الخاصة وفق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
وبعد دخولها حيز التنفيذ ألزمت الاتفاقية الدول الأعضاء بالعمل بمبدأ الموافقة المسبقة للدولة صاحبة الموارد البيولوجية، وباحترام شرط التقاسم العادل للمنافع بعد ان كانت الدول الصناعية تستغل هذه الموارد بطريقة حرة ودون ترخيص.
ولعل أيضا من نقاط قوة هذه الاتفاقية حرصها على بقاء الموارد البيولوجية خاضعة للملك العام ولا يجوز تسجيلها وحمايتها ببراءة الاختراع حتى لا تصبح حكرا على شركة أو فردا يستفيد منها على حساب المجتمعات الأصلية والمحلية التي ساهمت في استمرارية وديمومة هذه الموارد البيولوجية.
براءة الاختراع .. استعمار مقنن 
رغم نبل الأهداف التي حملتها، تصطدم اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي بعدة عراقيل يتمثل أهمها في غياب الية دولية تؤمن من جهة، التنفيذ الفعال للشروط المتعلقة بالحصول على الموارد الوراثية وتقاسم المنافع الناتجة عنها، ومن جهة أخرى تؤمن حماية المعارف التقليدية من القرصنة البيولوجية، وهذا الفراغ التشريعي استغلته اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية للمنظمة العالمية للتجارة ذات الصبغة الإلزامية وذلك من خلال إقرار إمكانية إبراء الكائنات الحية، وهي النقطة التي أثارت جدلا كبيرا بين البلدان المصنعة والبلدان النامية الأعضاء في المنظمة.
ووفقا لاتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية تعد براءة الاختراع من أهم أنواع حقوق الملكية الفكرية لحماية الاختراعات المتعلقة بالكائنات الحية.
وفي الوقت الذي نصت فيه اتفاقية التنوع البيولوجي على إبقاء الموارد البيولوجية خاضعة للملك العام ولا يجوز تسجيلها وحمايتها ببراءة اختراع، كرست اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية مبدأ حماية الكائنات الحية وفرضته على الدول الأعضاء من خلال إتاحة إمكانية الحصول على براءة الاختراع لكافة الاختراعات بما في ذلك الاختراعات البيوتكنولوجية والتي تعرف على أنها ” التقنيات التي تسمح باستغلال الكائنات الحية وخاصة المواد البيولوجية وذلك بهدف تطوير وتحسين الإنتاج الفلاحي والصناعي لا سيما صناعة الأدوية، أو تحسين انتاج المحاصيل الزراعية والأغذية والصناعات الكيميائية ومنتجاتها “.
وفي هذا السياق نصت المادة 27 -3 –ب من اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية على ” أنه على البلدان الأعضاء منح الحماية لأنواع النباتات اما عن طريق براءات الاختراع أو نظام فذ خاص بهذه الأنواع أو بأي مزيج منهما “.
وقد تعرض هذا النص إلى موجة من الانتقادات من طرف عديد الدول التي عبرت عن رفضها لإمكانية ابراء الكائنات الحية التي تعتبرها اتفاقية الأمم المتحدة موروثا بيولوجيا كونيا لا يحق تملكها بحقوق حصرية لفائدة صاحب براءة الاختراع بل تدخل في نطاق الحقوق السيادية للدول على مواردها البيولوجية وأيضا الحقوق الجماعية للشعوب الأصلية على مواردها ومعارفها التقليدية ذات الصلة.
وباعتبار الصيغة الإلزامية لأحكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة على الدول الأعضاء التي استبعدت إمكانية ابراء الكائنات الحية في قوانينها الوطنية، طالبت الاتفاقية هذه الدول بمراجعة قوانينها وملاءمتها مع ما تقتضيه المادة 27 -3 –ب من الاتفاقية لتشمل هذه المراجعة الاختراعات الدوائية والكيميائية الزراعية والغذائية وحمايتها عن طريق البراءة.

وفي ردها على تنكر، أو لنقل اقصاء، المنظمة العالمية للتجارة، ومن وراءها الشركات العالمية، المعارف التقليدية ذات الصلة بالتنوع البيولوجي وعدم الاعتراف بالكائنات الحية كموروث بيولوجي يدخل في نطاق الحقوق الجماعية للشعوب الأصلية، سارعت المجموعة الافريقية من خلال الاتحاد الافريقي الى صياغة قانون إقليمي وهو القانون النموذجي الافريقي لحماية التنوع البيولوجي الذي يعترف بسيادة الدول على مواردها البيولوجية.

إقراء أيضا

إن اقصاء اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية للمنظمة العالمية للتجارة المعارف التقليدية ذات الصلة بالتنوع البيولوجي من الحماية هو تشجيع للشركات العالمية للاستيلاء على هذه المعارف دون ترخيص أو تعويض للدول النامية الثرية بالموارد البيولوجية والمعارف التقليدية، ولعل من أبرز الأمثلة في هذا السياق ما تقوم به الجامعات والشركات العالمية الناشطة في مجال الأدوية من نهب للأعشاب والنباتات الطبية بحجة البحث العلمي واستغلالها في إنتاج الأدوية والحصول على براءة الاختراع دون ترخيص أو اعتراف من بلد المنشأ وذلك استنادا الى اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية التي تعطي للشركة صانعة الدواء حق الملكية الفكرية لطريقة تصنيع المنتج أو المنتج ذاته ولكنها لا تمنح أية حقوق للمادة الخام التي صنع منها المنتج النهائي ولا للسكان الأصليين في المنطقة التي توجد بها هذه المواد الأولية.

ويتضح من خلال عدم الاعتراف بالمعارف التقليدية ذات الصلة بالتنوع البيولوجي واقصاءها من الحصول على براءة الاختراع لحمايتها تذهب عديد الأطراف الى القول بأن اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية قد شرعت للشركات العالمية كي تسرق وتستولي على الموارد الطبيعية والبيولوجية للبلدان النامية وخاصة البلدان الافريقية بما في ذلك تونس المدعوة اليوم الى الإسراع بوضع قانون لحماية موارنا البيولوجية استنادا للقانون النموذجي الافريقي الذي يستند بدوره لاتفاقية التنوع البيولوجي للأمم المتحدة التي تحمي المصالح الوطنية طبقا لمبدأ سيادة الدول وحقها في استغلال مواردها البيولوجية، وبما لا يتعارض مع أحكام اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
8
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
1

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top