أنت بصدد قراءة مقال
تونس لا تملك سيادتها الغذائية ووفرة التزويد عن طريق التوريد خيار فاشل

تونس لا تملك سيادتها الغذائية ووفرة التزويد عن طريق التوريد خيار فاشل

جنات بن عبد الله

50 % من المواد الفلاحية الأساسية مصدرها التوريد

لم يشهد الميزان التجاري الغذائي في بلادنا منذ الاستقلال الى اليوم تغييرا أو تطورا في اتجاه تقليص التبعية للاستيراد والاعتماد أكثر على الانتاج المحلي لتغطية حاجيات السوق المحلية ولاتزال تونس تعتمد على التوريد لتغطية أكثر من 50 بالمائة من احتياجاتها من من المنتجات الاساسية الحيوية مثل الحبوب والزيوت النباتية والسكر واللحوم .
ففي مستوى التصدير حافظت أربع منتجات على موقعها ممثلة في زيت الزيتون والتمور ومنتجات الصيد البحري والقوارص لتضاف ضمن هذه القائمة وفي السنوات الاخيرة بعض المنتجات البيولوجية.
واستنادا الى معطيات المرصد الوطني للفلاحة والتي تعتمد احصائيات المعهد الوطني للاحصاء الذي يعتمد بدوره على بيانات وزارة الفلاحة فقد مثلت صادرات زيت الزيتون 45.2 بالمائة من اجمالي الصادرات إلى غاية شهر أكتوبر 2018 لتحتل التمور المرتبة الثانية بنسبة 14.5 بالمائة تليها منتجات الصيد البحري بنسبة 9.4 بالمائة فالعجين الغذائي بنسبة 7.6 بالمائة .
أما على مستوى التوريد فقد بقيت خمس منتجات في أعلى قائمة الواردات ممثلة في الحبوب والزيوت النباتية والسكر واللحوم والحليب. وحسب ذات المصدر احتل القمح اللين النصيب الاكبر من الواردات إلى حدود شهر اكتوبر 2018 بنسبة 37.0 بالمائة من مجموع واردات المنتجات الغذائية والفلاحية، لنجد في المرتبة الثانية القمح الصلب بنسبة 13.6 بالمائة فمادة السكر بنسبة 10.9 بالمائة فالزيوت النباتية بنسبة 9.4 بالمائة فالشعير بنسبة 6.6 بالمائة.
وخلال العشرة أشهر الأولى من سنة 2018 ومقارنة بسنة 2017 عرفت واردات هذه المنتجات تطورا ملحوظا ساهم في تعميق العجز الغذائي. فقد تطورت قيمة واردات القمح اللين من 463.8 مليون دينار لكامل سنة 2017 الى 599.1 مليون دينار في موفى شهر أكتوبر 2018 مسجلة بذلك ارتفاعا بنسبة 21.1 بالمائة على مستوى القيمة وبنسبة 29.2 بالمائة على مستوى الكمية.
أما بالنسبة للقمح الصلب فقد بلغت الواردات الى موفى شهر أكتوبر 2018 حوالي 457.2 مليون دينار مقابل 362.1 مليون دينار خلال سنة 2017 مسجلة بذلك تطورا بنسبة 18.9 بالمائة على مستوى القيمة وبنسبة 26.3 بالمائة على مستوى الكمية.
في المقابل عرف توريد مادتي السكر والزيوت النباتية انخفاضا من سنة 2017 الى موفى شهر أكتوبر 2018 على التوالي من 558.3 مليون دينار الى 479.9 مليون دينار وهو ما يعادل انخفاضا بنسبة 14 بالمائة على مستوى الكمية و15.2 بالمائة على مستوى القيمة، ومن 562.1 مليون دينار مقابل 413.2 مليون دينار وهو ما يعادل انخفاضا بنسبة 26.5 بالمائة على مستوى الكمية و1.7 بالمائة على مستوى القيمة، مسجلا بذلك اضطرابا في تزويد السوق الداخلية واحتجاجات من قبل المستهلك بخصوص الزيوت النباتية.
من جهة أخرى عرف توريد مادتي الحليب واللحوم نسقا تصاعديا لتغطية الفجوة بين ما توفر في السوق من جهة، والطلب الداخلي من جهة أخرى باعتبار عدم وضوح الأسباب الحقيقة وراء النقص المسجل على مستوى التزويد حيث تم توريد ما قيمته 115.0 مليون دينار من الحليب مقابل 75.9 مليون دينار في سنة 2017 مسجلا بذلك ارتفاعا بنسبة 51.5 بالمائة. كما تم توريد ما قيمته 43.6 مليون دينار من اللحوم الى موفى شهر أكتوبر 2018 مقابل 19.2 مليون دينار خلال سنة 2017 مسجلا بذلك ارتفاعا بنسبة 127.1 بالمائة.

قيمة واردات الحبوب ارتفعت من 825 مليار على كامل سنة 2017 إلى 1056 مليار إلى حدود شهر أكتوبر 2018
ارتفاع واردات اللحوم خلال سنة 2018 بنسبة 127.1 بالمائة مقارنة بسنة 2017

الميزان الغذائي ” أسير” زيت الزيتون
واستنادا الى وثيقة أعدها المرصد الوطني للفلاحة تحت عنوان “المبادلات التجارية للمواد الفلاحية والغذائية خلال الفترة الممتدة من سنة 2005 الى سنة 2016 واعتمد فيها على احصائيات المعهد الوطني للإحصاء الذي اعتمد بذاته على بيانات وزارة الفلاحة، فقد تراوحت نسبة تغطية الميزان الغذائي التجاري بين 121 بالمائة و60 بالمائة بين الفترة الممتدة من 2006 الى 2014 . ويعود تحسن الميزان التجاري الغذائي في كل مرة الى مداخيل صادرات زيت الزيتون بما يكشف عن ضعف تنوع صادراتنا وتبعية الميزان التجاري الغذائي لصادرات زيت الزيتون في باب الصادرات.
أما على مستوى التوريد يكشف تطور الميزان التجاري عن عجز هيكلي لميزان الحبوب حيث أن تغطية الطلب الداخلي بقي أسير التوريد باعتبار ضعف الانتاج وعدم قدرته على متابعة نسق الطلب الداخلي ليكشف عن تبعية بلادنا للخارج من توريد الحبوب وخاصة القمح اللين، حيث يمثل توريد الحبوب معدل 48 بالمائة من مجموع الواردات.
تطور الميزان التجاري الغذائي كشف أيضا عن هشاشة هيكلة الصادرات وخطورة نظام الحصص الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على تصدير زيت الزيتون حيث استعمل البرلمان الأوروبي في السنتين الاخيرتين هذا المنتوج كورقة ضغط على تونس لقبول وتوقيع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق الذي يشمل هذه المرة تحرير القطاع الفلاحي. ففي حين وافق البرلمان الأوروبي في فيفري 2016 على الترفيع في كميات زيت الزيتون ب 35 ألف طن لترتفع حصة تونس الى 92 ألف طن خلال سنتي 2016 و2017 بهدف دعم الانتقال الديمقراطي في تونس ودعم الاقتصاد الوطني استدرك في نفس القرار ليشترط القيام بمراجعته في صورة تعرض منتجي زيت الزيتون الأوروبيين لأضرار نتيجة تحرير الكمية المضافة وذلك في منتصف الفترة المعنية.
هذا الوضع الهش والخطير على المستويين، تصدير زيت الزيتون وتوريد اللحبوب، تعمق خلال العقد الاخير وخاصة منذ سنة 2010 ليتفاقم عجز الميزان الغذائي وبالتالي عجز الميزان التجاري بتوريد مواد السكر والزيوت النباتية واللحوم.
فخلال العشر سنوات الاخيرة بلغ معدل توريد السكر 371.6 ألف طن بقيمة 275.8 مليون دينار، وبلغ معدل توريد الزيوت النباتية 294 ألف طن بقيمة 409.2 مليون دينار.

تحسن الميزان التجاري الغذائي يرتبط أساسا بمداخيل صادرات زيت الزيتون وهو ما يكشف عن خلل في سياستنا التصديرية

سنة 2007 بداية العجز
بسبب هذه التبعية في توريد المنتجات الغذائية والفلاحية الاساسية ، وانطلاقا من ضعف تنوع صادراتنا واقتصارها على زيت الزيتون، دخل الميزان التجاري الغذائي في مربع العجز منذ سنة 2007 بعد أن كان ايجابيا بفائض قدر ب 135.2 مليون دينار في سنة 2005 وب277.1 مليون دينار في سنة 2006 ليقفز العجز في سنة 2014 مستوى قياسيا بقيمة 1380.5 مليون دينار وهو ما يعادل 10.1 بالمائة من العجز التجاري العام.
وحسب وثيقة المرصد الوطني للفلاحة، وفي ذات السياق تعمقت تبعية بلادنا للأسواق الخارجية في مادة الحبوب بصفة عامة بمعدل 63.6 بالمائة خلال نفس العشرية في اتجاه تصاعدي شمل سنتي 2017 و2018 ، ولا توجد مؤشرات تفيد بإيقاف هذا النزيف الخطير على أمننا الغذائي.
واذا ما اقتصرنا على توريد القمح بنوعيه ومادة الشعير، تكشف الاحصائيات فجوة كبيرة بين الانتاج المحلي والطلب الداخلي، فارق اختارت الانظمة السابقة والحكومات المتعاقبة بعد الثورة تعديله بالتوريد عوض اتباع سياسات فلاحية تعمل على التقليص من هذه الفجوة التي اتسعت من سنة الى أخرى لترتفع التبعية تجاه الاسواق الخارجية من 45.8 بالمائة في سنة 2006 الى 65.8 بالمائة في سنة 2016 وذلك بمعدل 55.8 بالمائة سنويا.
واذا ما اعتمدنا احصائيات المعهد الوطني للاحصاء المتعلقة بشهر أكتوبر 2018 يتضح أن قيمة الحبوب الموردة انخرطت في منحى تصاعدي منذ سنة 2010 الى شهر أكتوبر 2018 ، قيمة تفترض الأخذ بعين الاعتبار انهيار قيمة الدينار التونسي الذي اتخذ منحى تنازليا منذ شهر جوان 2016 الى اليوم لتستقر قيمة توريد الحبوب في معدل مليار دينار ونصف سنويا.

الميزان التجاري الغذائي دخل في مربع العجز منذ سنة 2007 بعد أن كان ايجابيا بفائض قدر ب277.1 مليون دينار في سنة 2006
البذور تقتحم بقوة قائمة الواردات بقيمة 729 مليار إلى موفى شهر أكتوبر 2018

إقراء أيضا

البذور تدخل على خط الواردات
ما يلفت الانتباه في الميزان التجاري للمنتجات الغذائية والفلاحية في السنوات الأخيرة، والى جانب ارتفاع قيمة واردات المواد الغذائية الاساسية من حبوب وزيوت نباتية وسكر ولحوم، اتساع قائمة الواردات لتشمل البذور التي عرفت وارداتها ارتفاعا ملحوظا منذ سنة 2010 .
فحسب احصائيات المعهد الوطني للاحصاء فقد سجلت مجموعة البذور تطورا من 335 مليون دينار في سنة 2010 الى 527 مليون دينار في سنة 2015 لتقفز الى 729 مليون دينار في موفى شهر أكتوبر 2018 .
ان الصمت المتواصل تجاه ارتفاع توريد المواد الاساسية من حبوب وزيوت نباتية وسكر ولحوم من جهة، وانخراط حكومة الشاهد في مسار اصلاحات كبرى ترمي الى رفع الدعم عن هذه المواد واعتماد الأسعار الحقيقية من جهة ثانية، في ظل تواصل انزلاق الدينار المرشح لتخطي عتبة 4 دنانير مقابل الأورو الواحد ، وتدهور المقدرة الشرائية من جهة ثالثة، تنذر ببلوغ الوضع نقطة اللاعودة وبانهيار حالة الاستقرار التي نجحت الأنظمة السابقة والحكومات المتعاقبة بعد الثورة في تأجيلها استنادا الى سياسة دعم مغلوطة ساهمت في اخفاء حقيقة القطاع الفلاحي وتبعية بلادنا للخارج.
ورغم خطورة تداعيات عجز الميزان التجاري الغذائي على منظومة الانتاج المحلية التي لا تزال تعاني التهميش، ترى وزارة الفلاحة في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق التي تشمل تحرير القطاع الفلاحي، فرصة أمام القطاع لتجاوز الصعوبات التي يعاني منها والتي عددها في التشخيص الرباعي الخاص بمنظومة الأمن الغذائي . ففي المحور المتعلق بالتشخيص الرباعي لمحور الوفرة عن طريق التوريد، وبعد تعداد المخاطر التي تهدد منظومة الأمن الغذائي جراء التوريد والمتمثلة حسب هذا التشخيص في ارتفاع الأسعار على مستوى الأسواق العالمية وعدم التحكم فيها، وتراجع سعر صرف الدينار والارتفاع التدريجي والمتواصل للكلفة الجملية للواردات، خلص التشخيص الى اعتبار ” انفتاح الاقتصاد التونسي على الاسواق الأوروبية في اطار اتفاقية الأليكا” .

الصمت المتواصل تجاه ارتفاع توريد المواد الفلاحية ينذر ببلوغ نقطة اللاعودة وبانهيار جهاز الانتاج الوطني

في هذا السياق نعتقد أن مثل هذه الاستنتاجات تفتقر الى الموضوعية وبعيدة عن مفهوم الأمن الغذائي والأمن القومي بصفة عامة باعتبار غياب التكافؤ بين الطرف التونسي والجانب الأوروبي الذي خص القطاع الفلاحي الأوروبي باعتمادات مالية عالية في اطار السياسة الفلاحية المشتركة مقابل تهميش ممنهج للقطاع الفلاحي التونسي عمقتها سياسة التقشف المتواصلة منذ سنة 1986 في اطار برنامج الاصلاح الهيكلي للاقتصاد التونسي الى اليوم.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
1
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
1
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top