أنت بصدد قراءة مقال
تاريخ الماء في تونس

تاريخ الماء في تونس

Avatar
  • - في سنة 1969 مات 900 شخص بعد فيضان سدّ مجردة وفي 1973 غرقت قرية بأكملها جراء الفيضانات الجارفة
  • - أقدم "عين" في البلاد التونسية موجودة في السرس وهي "عين اللاس" ومازالت قائمة إلى إلى حدود اليوم
  • - الموحدون خصصوا 20 ألف شخص لحماية موارد المياه في حملتهم على سواحل تونس التي كان يحتلها الرومان
  • - الجفاف من بين أسباب ثورة علي بن غذاهم وثورة الفراشيش
  • - المقيم العام"بول كامبون" ألغى القوانين الإسلامية وعوضها بقوانين على قياس المعمرين ليمكنهم من الإستيلاء على الثروة المائية والتحكم في توزيعها
  • - شاركت في بناء أكثر من 300 سد واضطررنا في إحدى المرات لإعادة بناء سجن الهوارب في مكان آخر لأن ذلك المكان يشقّه سد
  • - انتشار الفساد بين موظفي الدولة تسبب في فشل تجربة الجمعيات المائية سنوات السبعينات

عامر الحرشاني يروي تاريخ الماء في تونس

الجفاف كان يتسبب في إقالة الحكومات.. وفشل المنظومة المائية في عهد الباي كان من عوامل استعمار البلاد

عرفت تونس في السنوات الأخيرة نقصا حادا في نزول الأمطار مما ساهم بشكل مباشر في انخفاض المخزون المائي للبلاد وكان له الأثر السلبي في توزيع الماء الصالح للشراب واضطرّ الدولة إلى التخفيض في كميات الماء المخصصة للريّ والزراعات السقوية.
مجلة “تونس الخضراء” التقت كاتب الدولة السابق للموارد المائية والخبير الدولي في المياه عامر الحرشاني الذي تحدّث عن الارتباط الوثيق بين تونس والماء طيلة العصور الماضية وأكّد أن جفاف كان يتسبب في إقالة الحكومات ورحيلها في ظلّ تركيز كامل للاقتصاد التونسي على الماء.
وفي ما يلي الحوار كاملا:
ماهي أهمية عاملي التاريخ والجغرافيا في علاقة تونس بالماء؟
تاريخ تونس كان له ارتباط وثيق بالمياه عبر مختلف العصور والحضارات التي مرت ببلادنا من عهد البربر إلى العصر القرطاجي والروماني
وقد كانت التجمعات السكنية أو القبلية طيلة كل هذه العصور غالبا ما تستقر قرب منابع المياه
أما من الناحية الجغرافية فإن بلادنا مناخها صعب ومتناقض باعتبارها تقع بين الصحراء والبحر الأبيض المتوسط، وتعيش دائما على وقع تقدّم الصحراء نتيجة تصحر الأراضي أو تقدّم البحر نتيجة نزول الأمطار بكميات كبيرة.

كيف كان هذا الارتباط الوثيق تاريخيا بين تونس والماء ؟
على مرور الزمن عرفت تونس في الكثير من المناسبات سنوات جفاف وقحط وعرفت كذلك فيضانات جارفة
وعلى سبيل المثال في العهد الروماني امتد الجفاف في قرطاج على 3 سنوات كاملة وتسبب في قحط واسع وكبير فخرج السكان في مظاهرات احتجاجا على الوضع الاجتماعي المتأزم نتيجة هذا الجفاف وطالبوا بمجيء الإمبراطور “هدريان” إلى تونس
وقد استجاب هذا الإمبراطور إلى طلبهم وقدم في سنة 125 ميلادي واستمع إلى شكاوى السكان وقرر بناء الحنايا من ماله الخاص لنقل الماء من زغوان إلى قرطاج
وقد تم تشييد الحنايا على مسافة تمتد على أكثر من 100 كلم واستمرت الأشغال لعشرة سنوات حيث تم الانتهاء من بناء الحنايا سنة 135 ميلادي.

وهذه الحنايا التي مرّ على تشييدها قرابة 2000 سنة مازال بالإمكان استخدامها مع العلم أنه تم إدخال بعض التغييرات عليها من قبل الدول التي مرت على تونس حيث قام أبو زكريا الحفصي بإصلاحها وقام بجلب الماء لجامع الزيتونة ، كما أن الأغالبة جلبوا الماء للقيروان عبر حنايا “عين جلولة” التي توجد بالوسلاتية.

وهذا ما يؤكد أنّ تاريخ تونس ثري جدا في ما يتعلق بمسألة المياه وأقدم “عين” في البلاد التونسية موجودة في السرس وهي “عين اللاس” ومازالت قائمة إلى إلى حدود اليوم
وهذا التاريخ الثري مرتبط بكل الدول التي مرت بتونس من الرومان إلى الأغالبة والحفصيين والحسينيين وحتى بني هلال الذين اشتهروا بإحداث البلبلة والشغب لم يكن لهم تأثير سلبي ولم يجرؤوا على إفساد المنشئات المائية في تونس.
الموحدون كذلك كان منذ قدومهم لتونس كان لهم دور كبير في الاهتمام بالمياه ومنابعها ويظهر ذلك من خلال تخصيص 20 ألف شخص لحماية موارد المياه في حملتهم على سواحل تونس التي كان يحتلها الرومان بعد أن قدموا بجيش جرار قوامه 100 الف جندي تحت إمرة قائد الموحدين عبد المؤمن بن علي.
ما يلاحظ تاريخيا أن السكان احتجوا في كثير من المناسبات على نقص المياه؟

بالفعل سكان تونس خرجوا في احتجاجات عديدة بسبب الجفاف ونقص المياه
وعلى امتداد التاريخ كان الجفاف يتسبب مباشرة في إقالة الحكومات وكذلك في قيام الانتفاضات والثورات التي كان الجفاف احد أهم شراراتها إلى جانب الفقر والجوع

وقد كانت البلاد تعيش فترة زاهية كلما كان هنالك تساقط طبيعي ومنتظم للأمطار بينما يتسبب الجفاف ونقص المياه في أزمة سياسية عادة ما تنتهي بذهاب القائمين على الوضع العام.

– الإمبراطور القرطاجي “هدريان” هو من بنى الحنايا من ماله الخاص
– تجربة البحريات الجبلية تم استقدامها من جنوب إيطاليا وأمريكا

إقراء أيضا

وفي تاريخنا كذلك كانت ظاهرتا المجاعة والهجوم على المدن ترتبطان دائما بالجفاف حتى أنه عندما يكون هنالك عام جفاف تقوم المدن بتحصين نفسها خوفا من هجوم البوادي لأن الطعام والشراب ينتهيان بسرعة في الأرياف بينما كانت المدن تدخّر طعامها لأيام الجفاف.
وفي هذا الإطار كانت ثورة علي بن غذاهم التي عقبت سنوات من القحط والجفاف وانتشار الجراد وهذه ليست المرّة الأولى التي تحدث فيها ثورة بسبب الجفاف ففي العهد الروماني اندلعت ثورة الفراشيش ضد الرومان وكان من يبن أسبابها انحباس نزول الامطار لفترة طويلة.

يقال إن هنالك علاقة بين فشل المنظومة المائية في عهد الباي واستعمار تونس، كيف ذلك؟
هنالك أمر مهم جدا تاريخيا وقع في تونس حيث أنشأت عام 1868 شركة على شاكلة “الصوناد” ولإنجازها تحصّلت تونس على قرض من فرنسا
وكان السكان يدفعون ثمن الماء بقدر عدد أفراد الأسرة وليس حسب قيمة الاستهلاك وهو ما تسبب في إهدار الماء وبداية إفلاس هذه الشركة
وفي محاولة لإنقاذها من الإفلاس كلف الباي 4 جنرالات بإدارة هذه الشركة وهم خير الدين باشا والجنرال رستم والجنرال البكوش والجنرال محمد حسين ولكن رغم ذلك لم تنجح الشركة في تجاوز عجزها المالي وأفلست
وهذا الإفلاس كان من بين أسباب الاحتلال الفرنسي لتونس حيث عجزت البلاد عن تسديد القرض الذي تحصلت عليه من فرنسا.

وكيف تعامل المحتل الفرنسي مع الماء في تونس؟
المستعمر الفرنسي لما احتل تونس كان له اهتمام خاص بالمياه ومن بين أولى القوانين التي وضعها هي القوانين التي تعنى بالمياه وكان ذلك سنة 1886 في إطار سياسة المياه الاستعمارية الذي أتى بها المقيم العام “بول كامبون” والذي ألغى القوانين الإسلامية التي كانت في صالح السكّان وتمنع بيع الماء ووضع بدلا عنها قوانين على قياس المعمرين ليمكنهم من الإستيلاء على الثروة المائية والتحكم في توزيعها.
وكيف تمت إعادة بناء منظومة المياه في تونس بعد الاستقلال؟
مباشرة بعد الاستقلال تم وضع منظومة المياه ضمن الأولويات في بناء الدولة الحديثة خاصة أن حاجيات المواطنين من الماء في تلك الفترة شهدت ارتفاعا بسبب تنامي عدد السكان الذي لم يكن يتجاوز المليون في سنة 1887 بينما تضاعف إلى 4 ملايين تقريبا عند الاستقلال.
وقد أنفقت تونس رغم ضعف امكانياتها في تلك الفترة أموالا ضخمة لتطوير مواردها المائية والتحكم فيها وساهم بروز جيل من المهندسين الوطنيين من أصحاب الكفاءة في نجاح هذه البرامج التي ارتكزت خاصة على حسن توظيف المياه وترشيد استهلاكها
وفي هذا الإطار تم التكثيف من بناء السدود للمحافظة على المياه وتخزينها لفترات الجفاف من ناحية ولمقاومة الفيضانات من ناحية اخرى

بخصوص الفيضانات هل شهدت تونس فيضانات قويّة ؟
عاشت تونس على وقع فيضانات عارمة أكبرها كانت من 27 سبتمبر حتى 5 اكتوبر سنة 1969 عندما نزلت الأمطار بصفة طوفانية وفاض سد وادي مجردة و مات 900 شخص تقريبا
وكذلك في 27 مارس 1973 كان نزول الامطار بمعدّل 17 ألف متر مكعب في الثانية وفاض نفس السد وتوفي أكثر من 400 شخص وماتت عائلات بأكملها وأذكر ان هناك قرية في أحواز سيدي بوزيد بها 27 منزلا غرقت بأكملها ومات كل سكانها وفي بعض المناطق المياه تجاوزت القناطر بمترين.
كيف يمكن الاستفادة من هذه المعطيات التاريخية والتوقي من تكرار هذه الكوارث الطبيعية ؟
من المهم جدا الاستفادة من هذه المعطيات غير أن تونس تمتلك بنك معلومات حول المياه لمدة 100 سنة فقط وهذا لا يكفي لمعرفة كل التجارب التي مرت بها بلادنا مع العلم ان بعض الدول الأخرى مثل فرنسا لها بنك معطيات لمدة 300 و400 سنة.
هل من فكرة عن الاستراتيجيات المائية التي اعتمدتها تونس ؟
تونس دولة تعتمد كثيرا على المياه ولذلك وضعت استراتيجيات ومقاربات استشرافية حيث بدأ في سنة 1970 الإعداد لتكون منظومة المياه جاهزة حتى سنة 2000 وفي سنة 2000 تم إعداد المنظومة حتى سنة 2015 والآن بدأت وزارة الفلاحة في الإعداد لسنة 2050
الآن منظومة المياه جاهزة لأي عام ؟
المنظومة جاهزة إلى حدود 2030 وقد وقع فيها بعض التأخير بسبب أحداث الثورة ولكن في المقابل تم ربط كل الوديان بالسدود، وهناك فقط نقص يتعلق بربط السدود ببعضها نتيجة اشكاليات عقارية وغيرها
وأنا شخصيا شاركت في بناء أكثر من 300 سد وقد اعترضت مع الفريق الذي عملت معه إلى مشاكل عويصة مرتبطة بالعقارات حتى أننا اضطررنا في إحدى المرات لإعادة بناء سجن الهوارب في مكان آخر لأن ذلك المكان يشقّه سدّ.
على امتداد السنوات الأخيرة دائما ما يرتبط الحديث عن تحلية مياه البحر في تونس بكثير من الاحترازات والتحفظات لماذا حسب رأيكم؟
في السابق كان من الصعب على تونس تحلية مياه البحر خاصة أن مواردها المالية ضعيفة ولكن اليوم مع انخفاض كلفة التحلية بفضل التجارب العلمية أصبح بمقدور تونس اتباع هذا الخيار الناجع
وعلى سبيل المثال فإن تحلية مياه البحر في صفاقس كلفتها أقل من نقل الماء إلى هذه الولاية من مجردة
وللإشارة فإن الكثير من الدول اتجهت لتحلية مياه البحر فالجزائر الآن تشرب من البحر وكذلك عديد الدول الخليجية مثل السعودية والكويت.
وفي الحقيقة تونس بدأت في اعتماد هذا الخيار وحاليا هناك محطة تحلية في جربة تنتج 330 مليون متر مكعب في السنة وسيتم تشييد محطات جديدة في قابس وصفاقس وسوسة.
بالنسبة للجمعيات المائية، كيف تقيّم نجاعتها؟
ملف الجمعيات المائية ملف مهم جدا ويعتبر من المشاكل الكبيرة التي تنتظر حلا
وتاريخيا الأرياف في تونس عانت كثيرا بسبب نقص المياه وهو ما تسبب في انتشار الأوبئة في سنوات السبعينات حيث توفي مئات التونسيين جراء الكوليرا التي انتشرت بسبب عدم وجود الماء الصالح للشراب.
وفي تلك الفترة قامت الدولة بدراسة فوجدت أن 6000 منطقة ريفية تفتقد للماء الصالح للشراب ولذلك تم في سنة 1970 وضع مخطط لتزويد هذه المناطق بمياه الشرب وتم رصد ميزانية بألف دينار وتم اختيار السيد خميس العلويني للإشراف عليه ولكنه رفض هذه الميزانية وتم منحه 100 ألف دينار.
وفي هذا الإطار تم الإنطلاق في تأسيس الجمعيات المائية وتم تكليف موظفي الدولة بمهمة إدارتها ولكن هذه التجربة فشلت بسبب انتشار الفساد بين موظفي الدولة فتم الاستئناس بالتجربة الاسبانية التي تقوم على إسناد مهمة تسيير الجمعيات المائية إلى المتساكنين
واليوم توجد في تونس حوالي 3000 جمعية ثلثها يعرف استقرارا وانتظاما في التسيير.
البحيرات الجبلية كيف كانت بدايتها في تونس وماهي نجاعتها في حفظ الماء والأرض؟
تجربة البحريات الجبلية تم استقدامها من جنوب إيطاليا ومن أمريكا وهي تجربة مفيدة جدا وناجعة حيث تساهم في توفير المأوى للسحب قبل نزولها وفي حفظ الماء و وحماية السدود والتخفيض من حدة الفيضانات
والمستقبل يكمن في إنجاز هذه البحيرات الجبلية التي لها اثار إيجابية على المائدة المائية وانجازها لا يتطلب تكاليف كبيرة وتونس أصبح لها تجربة مهمة في بناء هذا النوع من البحيرات.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
5
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top