أنت بصدد قراءة مقال
 الوسطاء يتحكمون في مسالك التوزيع وحق الفلاح  يسرق … ويضيع

 الوسطاء يتحكمون في مسالك التوزيع وحق الفلاح  يسرق … ويضيع

  • الوسطاء يتواجدون بنسبة 95 ٪  في الأسواق وثلثي أرباح المنتجات الفلاحية تذهب لصالحهم
  • في غياب الاسواق اطنان من الغلال اتلفت في الحقول
  • الى متى تبقى الدولة عاجزة عن التصدي لفوضى مسالك التوزيع والضرب بقوة على ايدي المحتكرين والمضاربين

عاش القطاع الفلاحي خلال سنة 2019 على وقع ازمة الوفرة التي طالت عديد المنظومات وتسببت في خسائر فادحة في صفوف المنتجين الذين اضطروا الى التفريط في محاصيلهم بأثمان منخفضة لا تغطي احيانا حتى تكاليف الانتاج.

وهذا ما يؤكد اننا في تونس نعاني أزمة في التصرف وإدارة وفرة الانتاج التي لم ينتفع منها المواطن التونسي ولا حتى الفلاّح بسبب غياب مسالك التوزيع المنظمة والتي ادت بدورها الى القاء أطنان من هذه المنتوجات في الأودية والمزابل وكثيرة هي المشاهد والصور التي تم تداولها اعلاميا على امتداد السنة الحالية حول تلف محاصيل الغلال في الحقول

ومشكل وفرة الإنتاج ليس بالجديد إذ وقع سنة 2018 إتلاف قرابة 200 ألف لتر من الحليب يوميَا بسبب الفائض خلال موسم ذروة إنتاج الحليب، والحال نفسه بالنسبة للقوارص عند تسجيل فائض في الإنتاج موسم 2017 بلغ 560 ألف طن (مقابل 380 ألف طن سنة 2016) مما أدى إلى إتلاف كميات هامة نظرًا لعدم توفر مسالك التوزيع، وذات الأمر ينطبق على عديد المنتجات الفلاحية الأخرى التي يقع إتلافها بسبب صعوبة الترويج.

والوفرة في الصابة، لم ينتفع منها المواطن التونسي العادي, ولا حتى الفلاح بسبب ارتفاع الأسعار من جهة وغياب مسالك التوزيع من جهة أخرى. فالمنتج يبيع بسعر مناسب في حين الوسطاء يرفعون في السعر إلى اكثر من الضعف. وهنا يمكن القول بأن المنتج والمستهلك يقعان في نفس الخندق والمنتفعون فقط هم الوسطاء الذين يتواجدون بنسبة 95 بالمائة في الأسواق وتذهب ثلثي أرباح المنتجات الفلاحية المروجة في السوق الداخلية لصالحهم.

قطاع تحكمه اللوبيات…

يعد  قطاع الفلاحة والصيد البحري  اكبر متضرر من الاقتصاد غير المنظم .اذ ان حلقة ترويج منتوجات الفلاحة والصيد البحري تبقى المشكل الاساسي الذي ما انفك يضر بالمردودية  الاقتصادية للفلاحين والبحارة ويساهم في تدني مداخيلهم ويفاقم حجم خسائرهم.

وهو ما يؤكد ان المعضلة الحقيقية تكمن في مسالك التوزيع غير المنظمة وغير الشفافة  لذلك يستوجب على الدولة استخلاص العبر من التجارب السابقة خاصة في المسائل الحياتية للمواطن التونسي وان تتبع حلولا جذرية لا ترقيعية خاصة ان معضلة مسالك التوزيع  أصبحت عائقا كبيرا  في اقتصادنا الوطني  نتيجة الاهمال وعدم التحكم في السياسات الفلاحية الناجعة.

فقطاع الانتاج النباتي بخضره وغلاله وقطاعات اللحوم والأسماك والدواجن ومشتقات الحليب كلها أصبحت اسعارها بين أيدي المحتكرين والمضاربين بأسواق الجملة وتحت تحكم اللوبيات الناشطة فيها.  فيدفع التونسيون سنويا دون وعي آلاف ملايين الدينارات الى مافيا مسالك التوزيع وهم يقتنون مستلزماتهم المختلفة من خضر وغلال ولحوم واسماك وغيرها من مواد غذائية. ومع ان تجربة من المنتج الى المستهلك اثبتت امكانية التحكم في الاسعار لكن يبدوان المافيا باتت اقوى من الدولة.

فنحن نعيش تحت اباطرة اللوبيّات التي سارعت إلى الاحتكار قصد السَّيطرة على الأسواق والتحكم في الأسعار على هواها.

فالفلاح  ليس وحده المتضرّر من أخطبوط هده اللّوبيات، فالمواطن التونسي و الاقتصاد عامة  بدورهما  قد مسّهما هذا “السرطان” امام صمت رهيب من قبل الحكومة وعدم مقاومتها لهذا الاشكال .

ولتجاوز هذه الازمة تجب مراقبة مسالك التوزيع بشكل مكثف وجدي والضرب على ايدي المحتكرين والمضاربين والقضاء نهائيا وبشفافية على مسالك التوزيع الموازية إضافة الى حماية المنتوج التونسي عبر دعم الفلاحين من خلال التخفيض من سعر التكلفة حتى لا يتضرر الفلاح والمستهلك على السواء.

وهذا كله يجعلنا نطرح السؤال هل بلادنا قادرة فعلا على التصدي الى هذه اللوبيات والتحكم بها و هل  هي قادرة فعلا على فرض الرقابة اللازمة  على اسواق الجملة والعمل على الحد من مسالك التوزيع الموازية والقضاء على اقتصاد اللوبيات.   

طالما أن الرؤية لا تزال ضبابية في مسألة  تأهيل مسالك التوزيع ودعم  الرقابة الاقتصادية وتعزيز نجاعتها  لتكون خطوة هامة للتحكم في الاسعار خدمة لمصلحة المواطن التونسي و الفلاح على حد سواء ، يجب البحث و التفكير الجدي والانكباب الفعلي على اقتراح التصورات الكفيلة بارساء استراتيجية ناجعة لإصلاح منظومة مسالك التوزيع  في اطار مقاربة شاملة تشترك فيها  كافة القوى الوطنية ووضع هذا الملف ضمن اولويات الحكومة القادمة.هذا بالاضافة الى ضرورة سن قوانين تجرم كل أشكال البيع خارج الأطر القانونية المنظمة والترفيع في العقوبات الردعية من خطايا مالية الى عقوبات سجنية لردع كل من يحاول العبث باقتصاد البلاد.

مشاكل بالجملة  و40 ٪ فقط من المنتوجات الفلاحية تمر عبر اسواق الجملة

تتوزع شبكة أسواق منتجات الفلاحة و الصيد البحري الى:

أسواق الإنتاج : وعددها حاليا 9 أسواق تتوزع على 3 أسواق للزيتون بكل من المنستير وصفاقس وجرجيس و 2 أسواق للتمور بكل من قبلي وتوزر وسوق للقوارص بنابل وسوق للطماطم والبطاطا بدار علوش وسوق للباكورات بالبقالطة وسوق للبقول بباجة.

إقراء أيضا

 وتهدف هذه الاسواق الى تسهيل تجميع المنتوجات الفلاحية والتصنيف والتكييف و الحفظ وتكوين الاسعار وذلك بمناطق الانتاج.

أسواق الجملة: وتنقسم الى ثلاثة أصناف منها أسواق الجملة ذات المصلحة الوطنية وعددها حاليا 8 بكل من بن عروس وبنزرت وباجة و سوسة و القيروان و المكنين وصفاقس و قابس الى جانب الأسواق ذات المصلحة الجهوية للخضر و الغلال وعددها 73 موزعة على كامل مناطق الجمهورية وهي مخصصة لتزويد المناطق الداخلية للبلاد و تقريب الخدمات من صغار المنتجين هذا بالاضافة الى أسواق الجملة لمنتوجات الصيد البحري وعددها 50 سوقا متواجدة كلها بموانئ الصيد البحري.

اسواق البيع بالتفصيل: وهي فضاءات تهيأ اما في شكل أسواق ذات صبغة عمومية من قبل الجماعات العمومية المحلية (بلديات أو مجالس جهوية ) او في شكل اسواق يومية او اسبوعية.

ونجد كذلك أسواق البيع بالتفصيل في اطار نقاط بيع قارة او تجار متجولين. وعموما فان القطاع يضم حوالي 32.000 بين تجار جملة وتجار تفصيل.

وعلى الرغم من هذا العدد الهائل لمسالك التوزيع المنظمة و المنتشرة على كامل تراب الجمهورية يلتجأ الفلاح الى بيع منتوجاته الفلاحية خارج هذه المسالك حيث  ان ما بين 35  و40 ٪ من  المنتوجات الفلاحية فقط تمر عبر اسواق الجملة سنويا اي عبر مسالك التوزيع المنظمة التي لازالت تتخبط في عديد المشاكل وتكتنفها العديد من النقائص وهو ما يفسر عزوف نسبة هامة من المنتجين  عن ترويج منتوجاتهم فيها وهو مؤشر سلبي لا يخدم مصلحة الفلاح او البحار الذي يبيع منتوجاته باسعار تكون غالبا دون مستوى الكلفة الحقيقية بكثير ولا يراعي ايضا مصلحة المستهلك  الذي تعرض عليه تلك المنتوجات باسعار تفوق قدرته الشرائية  بسبب كثرة عدد المتدخلين وتزايد هوامش الربح وغياب الرقابة

الأداءات الموظفة على الفلاح  تصل في بعض الأسواق إلى  نسبة  18% من رقم المعاملات

تشكو منظومة مسالك التوزيع من العديد من النقائص الهيكلية التي تتمثل خاصة في :

  •  تردي كبير على مستوى مباني الأسواق التي لا تستجيب في أغلبها إلى  الشروط الدنيا لفضاءات ترويج المنتوجات الحساسة.
  •  تردي الخدمات المسداة بالأسواق رغم ان الفلاح يساهم في تمويلها  بنسبة مئوية من دخله مع تسجيل فقدان كلي لهذه الخدمات في بعض الأسواق وخاصة خدمات الحمالة أثناء الليل.
  •  تعرض الفلاح الى سرقة كميات من انتاجه  من الأسواق غير المحمية بأنظمة مراقبة مما يؤدي الى التخفيض من دخله باعتبار أن وكيل البيع يحتسب فقط الكمية التي باعها الفلاح و ليس الكمية الحقيقية التي أدخلها إلى السوق
  •  تعمد تصنيف المنتوج من كبير الحجم ويستحق سعرا مرتفعا إلى منتوج متوسط أو ضعيف الحجم و يتم خلاصه على حسب جودة أقل
  •  تفاقم حالات عدم الخلاص من طرف وكلاء البيع في غياب سند قانوني يضمن للفلاح حقه.
  •  ارتفاع قيمة الأداءات الموظفة على الفلاح والتي تصل في بعض الأسواق إلى  نسبة 18% من رقم المعاملات المسجل بالفاتورة وهو مما يؤدي إلى نفور المنتجين من تزويد هذه الفضاءات المنظمة.
  •  اختلاف الأداءات بين الأسواق و خاصة منها أسواق الجملة ذات المصلحة الوطنية  والتي تتراوح نسب الأداءات فيها  بين 13و18 %
  •  تعرض الفلاحين لتعطيلات وتضييقات من طرف فرق المراقبة الإقتصادية خاصة على مستوى الطرقات وهو ما يمثل عائقا  أمام تزويد الاسواق بالمنتوجات الفلاحية مع العلم أن القانون (قانون المنافسة و الأسعار) قد استثنى المنتجين الفلاحيين من مسك فواتير او وصولات تسليم
  •  ترصد حملات المراقبة الاقتصادية للمزودين عند خروجهم من مزارع الفلاحين مما يتسبب في مضايقات تؤدي في بعض الحالات إلى حجز المنتوج وتؤدي في مرحلة ثانية إلى امتناع بعض التجار عن الشراء مباشرة من عند الفلاح رغم أن هذه العملية مسموح بها قانونيا.
  •  عدم امتلاك أغلبية المنتجين خاصة الصغار منهم لوسائل نقل مما يضطرهم إما لبيع منتوجهم في الحقل ( عملية قانونية) أو تزويد السوق عبر ناقل مجمع مع منتجين آخرين لتقاسم الكلفة و هو ما ينجر عنه حجز البضائع من قبل المراقبة الاقتصادية  لتعدد أصنافها.
  •  الحالة الكارثية لأسواق الدواب وتعدد الممارسات التي تضايق المربين و تجعلهم يتخلون عن الدخول لمثل هذه الفضاءات.
  •  عدم شفافية المعاملات و خاصة التدخل الشفوي لأعوان المراقبة الاقتصادية في تحديد السعر.
  •  عدم احترام قاعدة العرض و الطلب و التدخل في تحديد الأسعار القصوى.
هل أعجبك المقال؟
أعجبني
5
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
1
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top