أنت بصدد قراءة مقال
المعلومة الإحصائية في القطاع الفلاحي بين التوظيف السياسي والتقييم الواقعي

المعلومة الإحصائية في القطاع الفلاحي بين التوظيف السياسي والتقييم الواقعي

جنات بن عبد الله

عبـر عـدد مـن الخبـراء الاقتصادييـن المسـتقلين فـي المـدة الاخيـرة عـن شـــكوكهم بخصـــوص دقـــة المعلومـــة الاحصائيـــة التـــي تقدمهـــا وزارة الفلاحـــة فيمـــا يتعلـــق بمســـاهمة القطـــاع الفلاحـــي والصيـــد البحـــري فــي نمــو الناتــج المحلــي الاجمالــي التــي يعتمدهــا المعهــد الوطنــي للاحصـاء لاحتسـاب نسـبة نمـو الناتـج المحلـي الاجمالـي كل ثالثـة أشـهر.

الارقام الرسمية بعيدة عن واقع القطاع وواقع الفلاح وطبيعة الصعوبات التي تواجهه

ففـــي نشـــريات المعهـــد الوطنـــي للاحصـــاء الدوريـــة المتعلقـــة بنســـبة نمـو الناتـج المحلـي الاجمالـي يؤكـد المعهـد علـى خـلاف مؤشـرات بقيـة القطاعـــات الاقتصاديـــة أي قطاعـــي الصناعـــة والخدمـــات، أن مصالحـــه لا تحتســـب القيمـــة المضافـــة للقطـــاع الفلاحـــي ولكنـــه يعتمـــد البيانـــات الســـنوية التـــي تصدرهـــا وزارة الفلاحـــة والمـــوارد المائيـــة والصيـــد البحـــري. لقـــد اســـتطاع المعهـــد الوطنـــي للاحصـــاء بعـــد الثـــورة الحفـــاظ علـــى اســـتقلاليته فـــي انتـــاج المعلومـــة الاحصائيــة رغــم محــاولات التوظيــف السياســـي للحكومـــات المتعاقبـــة لعـــدد مـــن المؤشـــرات الاقتصاديـــة والاجتماعيـــة مثـــل نســـبة التضخـــم، ونســـبة البطالـــة ونســـبة نمـــو الناتـــج المحلـــي الاجمالـــي، ونســـبة الفقـــر، وعجــز الميــزان التجــاري. وقــد تجلــت هـــذه الاســـتقلالية عنـــد تقديمـــه للمعلومـــة الاحصائيـــة ســـواء تلـــك المتعلقـــة بالقطـــاع الفلاحـــي حيـــث ينـــص علـــى أنهـــا صـــادرة عـــن وزارة الفلاحـــة، أو تلـــك المتعلقـــة بالتجـــارة الخارجيـــة حيـــث يلاحـــظ أن المصـــدر هـــي الديوانـــة التونســـية.

وبالرجـــوع الـــى مســـاهمة القطـــاع فــي الناتــج المحلــي الاجمالــي خــال السداسـي الاول مـن السـنة الجاريـة يذهـــب الاعتقـــاد الـــى أن الارقـــام المقدمــة بعيــدة عــن واقــع القطــاع وواقـــع الفـــلاح وطبيعـــة الصعوبـــات التـي تواجهـه. كمـا أن هـذه الارقـام مبالـــغ فيهـــا بالنظـــر الـــى كلفـــة الانتـــاج التـــي خرجـــت عـــن ســـيطرة الفــلاح، وبالنظــر أيضــا الــى الاعتمــاد المتزايـــد علـــى توريـــد كل مدخـــلات القطـــاع وحجـــم التوريـــد الـــذي أضحــى يغطــي أكثــر مــن 50 بالمائــة مـــن حاجيـــات الســـوق لاغلـــب المـــواد والمنتوجـــات الفلاحيـــة.

المطلوب اليوم توفير المعلومة الاحصائية الحقيقية البعيدة عن التوظيف السياسي وهي الخطوة الاولى في مسار حماية القطاع وأهله

المتابع لتقييمات المنظمة الفلاحية يلاحظ تباعدا جوهريا يصل الى حد التناقض بينها وبين الخطاب الصادر عن وزارة الفلاحة

فخـــلال الثلاثـــي الاول مـــن هـــذه الســـنة وصلـــت مســـاهمة القطـــاع فــي الناتــج المحلــي الاجمالــي الــى 9.11 بالمائـــة لتتراجـــع الـــى حـــدود 9 بالمائــة خــال الثلاثــي الثانــي وهــي مســـتويات هامـــة مقارنـــة بنتائـــج ســـنتي 2016 و2017 وتدفـــع الـــى البحـــث عـــن أســـباب هـــذه القفـــزة الكميـــة الهائلـــة التـــي حققهـــا القطـــاع، مـــن تراجـــع ســـلبي خـــلال كامــل ســنة 2016 الــى نمــو إيجابــي وهـــام خـــلال السداســـي الاول مـــن هـــذه الســـنة، للوقـــوف عنـــد طبيعـــة هـــذه الاســـباب ان هـــي هيكليـــة، أو مرتبطـــة بالعوامـــل المناخيـــة، أو نتيجـــة سياســـة فلاحيـــة جديـــدة انتهجتهـــا حكومـــة الشـــاهد.

فخـــلال ســـنة 2016 ســـجل القطـــاع نمـــوا ســـلبيا حـــادا بلـــغ 5.8 بالمائـــة مقابـــل نســـبة نمـــو للناتـــج المحلـــي الاجمالــي بلغــت 1.1 بالمائــة، لتتطــور هــذه النســبة فــي ســنة 2017 لتبلــغ 5.2 بالمائـــة مقابـــل نســـبة نمـــو للناتــج المحلــي الاجمالــي بلغــت 9.1 بالمائـــة، لتقفـــز نســـبة نمـــو القطـــاع فــي الثلاثــي الثانــي مــن ســنة 2018 الـــى 9 بالمائـــة مقابـــل نســـبة نمـــو للناتـــج المحلـــي الاجمالـــي بـ 8.2 بالمائـــة. هـــذه الارقـــام وحركـــة تطورهـــا تعكــس أهميــة القطــاع ومســاهمته فــي نمــو الناتــج المحلــي الاجمالــي فــي غيــاب سياســة فلاحيــة واضحــة وإجـــراءات تحفيزيـــة وحمائيـــة ضروريـــة علـــى غـــرار مـــا يتمتـــع بـــه القطـــاع فـــي بلـــدان الاتحـــاد الاوروبـــي الشـــريك التجـــاري الاول تونـــس والـــذي تربطنـــا بـــه علاقـــات شــراكة تســتهدف اليــوم تحريــر هــذا القطـــاع الســـيادي الخطيـــر.

ان المتابـــع لتقييمـــات الاتحـــاد التونســـي للفلاحـــة والصيـــد البحـــري للقطـــاع يلاحـــظ تباعـــدا جوهريـــا بينـــه وبيــن الخطــاب الرســمي الصــادر عــن وزارة الفلاحـــة والمـــوارد المائيـــة والصيـــد البحـــري وعـــن الحكومـــة، تباعـــدا يصـــل الـــى حـــد التناقـــض تؤكدهـا الارقـام والاحصائيـات وأيضـا حقيقــة أســعار المنتوجــات الفلاحيــة فــي الســوق مقارنــة بالاســعار عنــد الانتـــاج. ان الهــوة التــي هــي فــي اتســاع بيـــن الاســـعار عنـــد الانتـــاج والاســـعار عنــد الاســتهلاك، والارتفــاع الجنونــي لمدخـــلات الانتـــاج المـــوردة منهـــا والمحليـــة بســـبب ســـيطرة اللوبيـــات وانهيـــار الدينـــار تؤكـــد غيابـــا ممنهجـــا للســـلط العموميـــة فـــي ظـــل صيحـــات الفـــزع التـــي يطلقهـــا فـــي كل مناســـبة الفلاحـــون مـــن خـــلال منظمتهـــم النقابيـــة للفـــت النظـــر حيـــث تصطـــدم فـــي كل مـــرة بالصمـــت ولاالمبـــالاة فـــي الوقـــت الـــذي انخرطـــت فيـــه الحكومـــة فـــي مفاوضـــات مـــع الاتحـــاد الاوروبـــي لتحريـــر القطـــاع فـــي اطـــار اتفاقيـــة التبـــادل الحـــر الشـــامل والمعمـــق.

ورغـــم دور القطـــاع الـــذي لا يرتقـــي الـــى مســـتواه الحقيقـــي فـــي التشـــغيل والتصديـــر وفـــي مســـاهمته فـــي النمـــو الاقتصـــادي فإننـــا لازلنـــا أمـــام مشـــهد لا نعلـــم عنـــه الكثيـــر فـــي غيـــاب احصائيـــات علميــة ومحينــة لازلـت مشــتتة بيــن المنظمـــات النقابيـــة والمجمعـــات المهنيـــة وفـــي انتظـــار بعـــث هيـــكل مختـــص ينتـــج المعلومـــة الاحصائيـــة المتعلقـــة بـــكل الانشـــطة الفلاحيـــة وتلــك المتفرعــة عنهــا بــكل حياديــة.

إقراء أيضا

اتساع الفارق بين الاسعار عند الانتاج والاسعار عند الاستهلاك يؤكد الغياب الممنهج للسلط العمومية

ان المفاوضـــات الجاريـــة مـــع الاتحـــاد الاوروبـــي فـــي إطـــار اتفاقيـــة التبـــادل الحـــر الشـــامل والمعمـــق والتـــي تشـــمل تحريـــر القطـــاع الفلاحـــي تفتـــرض وجـــود ســيناريوهات متعــددة علــى طاولــة المفاوضـــات تســـتند الـــى احصائيـــات ومؤشـــرات ونمـــاذج تســـاعد المفـــاوض علـــى بلـــورة الموقـــف التونســـي الـــذي يجـــب ألا يتـــردد فـــي اتخـــاذ الموقـــف الـــذي يحافـــظ مـــن خلالـــه علـــى ســـيادته الوطنيـــة وأمنـــه الغذائـــي فـــي ظـــل حالـــة عـدم التكافـؤ بيـن الطـرف التونسـي والطــرف الاوروبــي والتــي تعمقهــا السياســـة الاوروبيـــة الفلاحيـــة التـــي تقـــوم علـــى دعـــم الفـــلاح بطريقـــة مباشـــرة لا تتناقـــض مـــع أحـــكام اتفاقيـــات المنظمـــة العالميـــة للتجـــارة.

ان الاطـــلاع ودراســـة هـــذه السياســـة الاوروبيـــة المشـــتركة فــي المجــال الفلاحــي والتســهيلات الماليـــة والدعـــم المباشـــر وغيـــر المباشـــر الـــذي يتمتـــع بهـــا الفـــلاح الاوروبـــي تعتبـــر خطـــوة ضروريـــة فـــي مســـار المفاوضـــات الجاريـــة لاعتمـــاد الاحصائيـــات الاوروبيـــة ومقارنتهـــا، ان أمكـــن ذلـــك، مـــع الاحصائيـــات التونســـية، والسياســـة الفلاحيـــة، ان وجـــدت. ان المطلـــع علـــى هـــذه السياســـة الاوروبيـــة المشـــتركة فـــي المجـــال الفلاحــي يقــف عنــد حقيقــة صادمــة تكشـــف هـــوة عميقـــة بينهـــا وبيـــن مـــا يمكـــن ان نســـميه بالسياســـة الفلاحيــة فــي تونــس. والحديــث عــن تأهيـــل القطـــاع الفلاحـــي لاعـــداده لمواجهـــة المنافســـة الاوروبيـــة هـــو حديـــث مـــردود علـــى أصحابـــه باعتبـــار أن المطـــروح اليـــوم هـــو ثـــورة فلاحيـــة حقيقيـــة تقطـــع مـــع التعاطـــي التقليـــدي الـــذي جنـــى علـــى القطـــاع وأهلـــه، وعلـــى الاقتصـــاد الوطنـــي بصفـــة عامـــة.

اننـا اليـوم أمـام تحديـات حقيقيـة تهـدد القطـاع وأهلـه بالاندثـار وتـرك المجـــال واســـعا أمـــام المســـتثمر الاجنبـــي الـــذي افتـــرش لـــه قانـــون الاســتثمار ســجادا أحمــر للنفــاذ الــى كل القطاعـات بمـا فـي ذلـك القطـاع الفلاحــي دون تمييــز مــع المســتثمر التونســـي باعتبـــار الاعتـــراف بمبـــدأ المعاملـة الوطنيـة الـذي نـص عليـه الفصـــل 7 مـــن القانـــون:« يعامـــل المســـتثمر الاجنبـــي معاملـــة لا تقـــل عـــن المعاملـــة الوطنيـــة التـــي يعامـــل بهـــا المســـتثمر التونســـي عندمـــا يكـــون فـــي وضعيـــة مماثلـــة لوضعيتـــه وذلـــك فيمـــا يتعلـــق بالحقـــوق والواجبـــات المنصـــوص عليهـــا بهـــذا القانـــون.« وحتـــى لا نقـــع فـــي فـــخ الفـــراغ الاحصائـــي فـــان المطلـــوب اليـــوم توفيـــر المعلومـــة الاحصائيـــة الحقيقيـــة البعيـــدة عـــن التوظيـــف السياســـي وهـــي الخطـــوة الاولـــى فـــي مســـار حمايـــة القطـــاع واهله

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top