أنت بصدد قراءة مقال
القانون الجديد للاستثمار الفلاحي بين الاجراءات والفاعلية….الفرق شاسع

القانون الجديد للاستثمار الفلاحي بين الاجراءات والفاعلية….الفرق شاسع

View Gallery

تحسين ظروف الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسين الوضع المادي للفلاحين طالما بقيت منظومة التّسويق وسياسة التّسعير عند الإنتاج على ما هي عليه

منذ أن تولت الحكومة الحالية مقاليد الحكم تتالى تراكم المشاكل وكذلك الإجراءات،يصعب على الشخص الواحد تقييم جدواها وتأثيراتها،إلاّ أنه يسهل القيام بذلك عندما يتعلّق الأمر بقطاع ما،كالفلاحة مثلا،وهو موضوع هذا المقال.

وإن كان لا بدّ من إجراءات هيكلية ومؤسساتية وتقنية لتثوير الفلاحة، فإنّ هذا لم يمنع المسؤولين على القطاع باتخاذ عديد الاجراءات التي تستحقّ الوقوف عندها،من ذلك الحوافز المالية والجبائية الواردة بقانون الاستثمار عدد 71 لسنة 2016. فما هو إطار الإجراءات المتخذة والأهداف المرجوّة منها والآليات المرصودة ومن هم المنتفعون؟

اولى هذه الاجراءات تخص معضلة هيكلية عامّة تتعلق بالشأن العقاري الفلاحي بتونس و بالهياكل المؤسساتية الضرورية لضمان الحوكمة والتصرف الأجدى في المخزون العقاري الفلاحي الذي يعاني من مشكل تشتت الملكية وصغر حجم المستغلات الفلاحية

لمعالجة الوضع تضمن القانون الجديد للاستثمار حوافز للتشجيع على النشاط الفلاحي الجماعي (تعاونيات،مجامع تنمية) وتحفيز المشاريع المصنّفة بخانة صنف”أ” من خلال منحة تفاضلية بنسبة 30% من حجم الاستثمار مع ترفيع سقف القرض العقاري من 150 إلى 250 ألف دينار(من 75 إلى 125 ألف دينار لدى الأصول)وتطويل مدّة الإمهال من 5 إلى 7 سنوات وتخفيض في نسبة الفائدة من 5 إلى 3%،مع امكانية الانتفاع بالقرض العقاري لاقتناء منابات شركاء على الشّياع للمساهمة في الحدّ من تشتّت الملكية.

إجراء التشجيع على الاستثمار في الميكنة إقصائي بطبع الشروط المطلوبة ولا يهمّ سوى فئة قليلة من أصحاب الضيعات الكبرى والمتوسطة

كما تمّ التّنصيص على منحة إضافية بـ 15% من قيمة الاستثمار للمشاريع المندرجة في إطار منظومة اقتصادية،أي تلك التي تثمّن المواد الفلاحية بمناطق الإنتاج.

وأمام هذا المجهود التشريعي ،لسائل أن يتساءل عن آفاق هذه الإجراءات وحدودها ؟

في حقيقة الأمر هناك إجراءات منصوص عليها بمجلة الاستثمار القديمة لكن وقعت مراجعة بعض الشروط باعتبار قدم إجراءات التحفيز للتصدي لتشتّت الملكية وللنشاط التشاركي-العائلي

 ويسهل تقييم جدوى هذه الإجراءات،إذ تكفي الإشارة إلى المنحى التصاعدي لمؤشّر تشتّت الملكية بتونس حتّى يستشرف المرء ضعف جدوى هذا الإجراء،وهذا تأكيد على أنّ إشكالية الملك العقاري الفلاحي إشكال عقائدي أكثر منه مالي أو تقني.

لذا،رغم تقديرنا الإيجابي لحجم الحوافز فالإشكال العقاري سيبقى أحد أهمّ العوائق لتثوير الفلاحة التونسية، فالأمر يستدعي القيام بتغيير عقلاني للذهنية التي”تقدّس”الأرض وفق معيار التملّك الفردي لا وفق معيار التقاسم الجماعي لفوائد الأرض.

بالتوازي مع هذا يجب الدعوة إلى التفكير في تأسيس منظومة الاقتصاد الاجتماعي/التضامني وشروطها،كمنظومة متناسقة (تمويل،تأمين،تزويد،تسويق) موازية لمنظومة اقتصاد السوق،أي أنّه حان الوقت لصياغة  تصوّر يشمل صنفين من الفلاحة : صنف أوّل يهمّ الضيعات الصغرى والشريحة الدنيا من الضيعات المتوسطة،تسوسه شروط التكافل والتضامن مع شرط إدماج حلقات التحويل والتصنيع صلب النشاط التضامني بالضيعة من خلال إحداث وحدات صغرى تمزج بين التقنيات التقليدية والتكنولوجيا المستحدثة،وهو ما قد يسمح بوضح حجر الأساس لآليات تسويق دائمة لما يعرف بـ”من المنتج إلى المستهلك”،وخاصة المواد الغذائية البيولوجية،لأنّ هذه الضيعات الفلاحية هي الأقرب لإنتاج هذا الصّنف من المواد.أمّا الهدف الخصوصي من هذه المنظومة (فلاحة-تحويل محلي) فيكمن في توفير الشغل والعيش الكريم بعيدا عن منطق تراكم الأرباح.

بالتوازي يمكن تصوّر صنف ثاني،يهمّ الشريحة العليا من الضيعات المتوسطة وكلّ الضيعات الكبرى،يسوسها الإنتاج المكثّف لغاية توفير المواد الأولية لوحدات التصنيع الغذائي الكبرى و/أو للتّصدير،على أن تفتح الأبواب لهذا الصنف من الفلاّحين أو يكونوا من المساهمين في رأس مال هذه الوحدات.

حزمة الإجراءات المتخذة تبقى في خانة الاستجابة لمطالب ظرفية لبعض الفئات من الفلاحين والمستهلكين ولم ترتق بعدُ إلى مستوى المشروع الشامل

لكن هل يكفي إنجاز هكذا تصور لتأمين حاجيات الفئات المعنية؟

طبعا لا،لأنّه حتّى وإن وقع حلّ المعضلة العقارية فإنّ المعيقات الطبيعة ستظلّ في تطور مستمرّ وفق منحى سلبي.فالنموّ الديمغرافي بنماء حاجاته الكمية والنوعية،والزحف العمراني على المساحات الفلاحية،والتغيرات السلبية للمناخ والبيئة (انجراف وتصحّر-شحّ وملوحة وتبخّر) ستشمل كلّ الضيعات مهما كان حجمها وتقنيات انتاجها،لذلك لا بدّ من مشروع يأخذ بعين الاعتبار هذه المخاطر الداهمة،أولها شحّ المياه وتبخّرها.فلا جدال حول أهمية المياه للإنتاج الفلاحي،سواء تلك المرتبطة بحجم ونسق الأمطار أو المخزون المائي بالسدود والموائد المائية.قد نشيّد ألف سدّ لكن جدواها منعدمة إذا شحّت السّحب ! لهذا لا بدّ من استحثاث البحث العلمي لإيجاد طرق تقنية للتحكّم في نسب الضّياع أوّلا،ولابتداع تقنيات بديلة لترشيد استهلاك المياه وأخرى لتوفير المياه بما في ذلك المياه غير التقليدية،كما أنّه من الضرورة بمكان أن يقع توجيه البحث العلمي لتحسين مردود البذور والمشاتل والسلالات المحلية في ظلّ الظروف الطبيعية المتحوّلة.

أكيد أنّ الإجراء المتمثّل في اقتناء وحدات لتحلية مياه البحر والمياه الجوفيّة وحفر وتجهيز آبار عميقة قد تساعد على توفير ماء صالح للشراب وتقلّل من الضغط على السدود،لكنها غير كافية باعتبار النسبة العالية لسهم الاستهلاك الفلاحي للمياه أوّلا(80-83%)،ولغلاء كلفتها المالية ثانيا(اقتناء الوحدات وقطع الغيار فيما بعد).

لقد بات ضروريا البحث عن معادلة تكيّف بأكثر جدوى بين الإنتاج النباتي والحيواني حسب فئة الضيعة،كأن يقع التحفيز على تربية مواشي وفق طرق تراعي العوائق العقارية والطبيعية وتحترم الضوابط البيئية وتثمّن المخلفات العلفية بالضيعات الفلاحية،وتثمّن الإنتاج العلفي بالغابات والأحراش،والتحفيز لاستعمال بيوت الاستنبات العلفي لتجاوز مشكل انعدام الملكية لدى بعض سكان الأرياف(غرفة بحجم 50 م² قادرة على توفير حاجيات 50 بقرة حلوب أو 250 رأس غنم و ماعز).

إقراء أيضا

لماذا تتمنّع الدوائر المسؤولة على دعم مستلزمات الإنتاج (بذور،أسمدة،أدوية) وفي المقابل تزيد في حجم منح الاستثمار ؟ لماذا يرفض البعض تطبيق سياسة حقيقة الكلفة ومن ثمّة حقيقة الأسعار ؟

ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه ايضا ،الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف”أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع ضرورة توفير %10 كتمويل ذاتي.فما يمكن ملاحظته في هذا الشأن ما يلي : أولا،أنّ هذا الإجراء هو استحثاث لاستثمار ادخار مفترض باعتبار ان العارف بأوضاع الفلاحين يدرك جيّدا ندرة المنتفعين المفترضين بهكذا شرط ؟ ثانيا،الترفيع في القيمة القصوى  هو اعتراف ضمني بارتفاع أسعار كلّ عناصر الإنتاج الفلاحي وبالتالي ارتفاع كلفة الإنتاج.

لكن تحسين ظروف الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسين للوضع المادي للفلاحين،طالما بقيت منظومة التّسويق وسياسة التّسعير عند الإنتاج على ما هو عليه.فالمتابع للشأن الفلاحي يمكن له تسجيل اعتماد الدوائر المسؤولة على معدّلات المؤشرات دون التّدقيق في طرفي(الأدنى والأقصى)،وطالما بقيت هذه الدوائر حبيسة النظرة السكتارية-التكنوقراطية، متجاهلة للتحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الفلاحي وأسبابها وتأثيراتها،فإنّه لا خير يرجى من كلّ الحوافز المالية والجبائية.

كذلك،يمثّل إجراء التشجيع على الاستثمار في الميكنة شرط من الشروط للتقليل من إهدار الطاقة (محروقات) وضياع الإنتاج (10% من صابة الحبوب) الذي يعود في جزء هام منه لتقادم الآلات الفلاحية، لكنّه يبقى شرط للتقليص من هدر الإنتاج وليس شرطا لتحسينه.فاقتناء الميكنة الفلاحية لا يهمّ سوى فئة قليلة من أصحاب الضيعات الكبرى والمتوسطة،وواقع الحال يؤكّد ذلك،لأنّ أغلب الآلات الفلاحية (جرّار،آلة حصاد،آلة ربط الأعلاف الخشنة)على ملك المستغلات التي تفوق الـ 50 هك.وإذا بقي منحى الاستثمار الفلاحي كما هو عليه الحال،أي إقصائي بطبع الشروط المطلوبة (مساحة،رهن عقاري) فإنّ برنامج تجديد أسطول الميكنة الفلاحية لن يشهد تغييرا يذكر،إلاّ إذا تحرّكت آلة التمويل الموازي(قرض المزوّدين) أي أصحاب المصلحة الكبرى من هذا الإجراء،أي الشركات المختصة في بيع الآلات الفلاحية.

وتجدر الإشارة أنّ مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى استفحال ظاهرة التحايل والتلاعب بعقود الإيجار الفلاحي(مساحة ومدّة)وقد تولد ظاهرة المضاربة/المرابحة كأن يشتري صاحب ضيعة آلة بنصف سعرها (باعتبار المنحة) ويبيعها بأقلّ من سعرها لشخص آخر لا تتوفر لديه الشروط المطلوبة،وقد يشهد الوضع تكاثر التعاونيات الفلاحية الوهمية لغاية التحايل للانتفاع بالحوافز ليس إلاّ.

أمام هذا الزخم من التّشجيعات لسائل أن يسأل لماذا تتمنّع الدوائر المسؤولة على دعم مستلزمات الإنتاج (بذور،أسمدة،أدوية) وفي المقابل تزيد في حجم منح الاستثمار ؟ لماذا يرفض البعض تطبيق سياسة حقيقة الكلفة ومن ثمّة حقيقة الأسعار ؟ إنّه إحدى بنود اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق : برنامج “تأهيل القطاع الفلاحي” !

العارف بأوضاع الفلاحين يدرك جيّدا ندرة المنتفعين المفترضين بشرط توفير %10 كتمويل ذاتي لاحداث المشاريع الصغرى

يمكن الجزم أنّ حزمة الإجراءات المتخذة تذكر فتشكر ولا يستهان بها،بل محبّذة،لكنّها تبقى في خانة الاستجابة لمطالب ظرفية لبعض الفئات من الفلاحين والمستهلكين ولم ترتقي بعدُ إلى مستوى المشروع الشامل الذي يقطع مع المقاربة القطاعية والمنظوماتية،بل قد تكون،وهذا الأرجح،بداية فعلية لتجسيد مشروع اتفاقية التبادل الأوروبية-التونسية (آليكا).وما قد يؤشر على هذا المنحى حرص الحكومة على خصخصة البنوك العمومية – البنك الوطني الفلاحي إحداها- : هل ستقبل هذه الأخيرة،إن لم يقع خصخصتها،والمدعوّة لفرض نفسها وسط غابة المؤسسات المالية التجارية الخاصة،بالمخاطرة والتنازل عن الشروط الحالية لتمويل الاستثمار الفلاحي(رهن عقاري،جدوى اقتصادية)؟ أم أنّ دورها المحوري في المستقبل سيوجه لدعم مسار التكثيف العقاري وتشجيع المضاربة على العقارات الفلاحية وذلك من خلال نافذة القروض الفلاحية التي قد تورط الفلاحين الصغار والشريحة الدنيا من متوسطي الفلاحين،قروض قد تؤدي إلى إفلاس جزء هام منهم وبالتالي التسليم ببيع ما يملكون من عقارات فلاحية لفائدة شريحة أخرى أيسر حال،بما في ذلك الأجانب ! إنّ حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة قد تناست الفلاحة العائلية-التقليدية عن قصد لغاية دفنها،وكلّ التّشجيعات موجّهة للفلاحين الكبار(فلاحة صناعية)ومن ورائهم وحدات التجميع والتحويل وشركات توريد الآلات الفلاحية،وهي إجراءات لتعبيد الثنايا للاستثمار الأجنبي كما ورد بمجلّة الاستثمار،ويمكن الجزم أنّ اتفاقية التبادل الحرّ الشامل والمعمّق موضوع قد حلّ أجل حسمها،والإعلان عن ذلك سيكون في قادم الأشهر.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top