أنت بصدد قراءة مقال
تحلية المياه تكنولوجيا المستقبل

تحلية المياه تكنولوجيا المستقبل

33 % من المياه الجوفية في تونس تحمل ملوحة تزيد عن 3 غ/ل

أصبحت تحلية المياه أهم الموارد المائية غير التقليدية لأغلب البلدان في العالم خصوصا العربية منها والتي أصبحت اغلبها ترزح تحت خط الفقر المائي وتفاقمت  فيها معضلة وجودة المياه الصالحة للاستعمال وتملح الطبقة المائية

ورغم أن المعطيات حول ملوحة المياه في تونس وخصوصا المستعملة في المجال الفلاحي غير محينة منذ أكثر من 10 سنوات, إلا أن كل المؤشرات تؤكد أن أكثر من 33 % من المياه الجوفية تحمل ملوحة تزيد عن 3 غ/ل وهي في مجملها غير صالحة للاستعمال الفلاحي كما أن ملوحة العديد من مياه السدود تقارب 3 غ/ل خصوصا في فصل الصيف كما يؤكده عديد المستعملين لهذه المياه.

ولهذه الأسباب ولتحسين مردودية الإنتاج توجه عديد الفلاحين والمؤسسات الفلاحية لاستعمال تقنيات جديدة تواجدت في الأسواق الدولية للمياه وللمعدات الفلاحية منذ ما يزيد عن 20 سنة على غرار تكنولوجيات تحلية المياه بالتناضح العكسي ((Osmose Inverse وأجهزة مغنطة المياه.

ونظرا لانخفاض ثمنها مقارنة بمحطات تحلية المياه وعدم تتطلبها للصيانة فقد اكتسحت معدات مغنطة المياه ((Magnétisation de l’eau الأسواق التونسية المتعلقة بمياه الري ذات ملوحة عالية نسبيا (فوق 3 غ/ل) منذ ما يزيد عن 10 سنوات

.

وقد انطلق استعمال وحدات تحلية المياه في المجال الفلاحي منذ بداية سنوات 2000 واقتصر استعمال هذه التكنولوجيات على كبار الفلاحين و الشركات الفلاحية إلى حدود السنوات الأخيرة  التي اصبحت تشهد طلبا متزايدا من شريحة واسعة من الفلاحين على هذه الوحدات بسبب تفاقم ندرة مياه السدود من جهة وارتفاع ملوحة مياه الآبار من جهة أخرى

فعلى سبيل المثال ارتفعت ملوحة المائدة المائية في عديد المناطق بولاية المهدية وأصبحت تقارب 5 غ/ل كما هو الحال بسيدي علوان وعديد المناطق بجهة المنستير حيث اضطر بعض الفلاحين إلى استعمال مياه الشرب للري في البيوت المكيفة, رغم أن كلفة مياه الشرب, مع احتساب كلفة التطهير، تتجاوز  2د./م3.

ولايجاد حل لمعضلة المياه المالحة في منطقة “القونات” – سيدي علوان- المهدية, انطلقت أول تجربة لوزارة الفلاحة في جوان  2016 في مجال تحلية مياه الري, وذلك بانجاز محطة تحلية للمياه شديدة الملوحة (4,7 غ/ل) بتمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة 500  ألف د. على شكل هبة, علما أن تصميم وأشغال المحطة أنجز عن طريق شركة تونسية.

السنوات الأخيرة  شهدت طلبا متزايدا من الفلاحين على وحدات التحلية بسبب تفاقم ندرة مياه السدود وارتفاع ملوحة مياه الآبار

كلفة المياه المنتجة عن طريق التحلية يجب احتسابها بالنظر لقيمتها المضافة الهامة

وتنتج هذه المحطة, تحت إشراف المندوبية الجهوية للفلاحة بالمهدية, 200  م3/اليوم  بملوحة 0,13 غ/ل، ثم يقع خلطها مع المياه الخام لتصبح سعة الإنتاج ب 300 م3/اليوم بملوحة تساوي أو تزيد عن 1,5 غ/ل.

وتستغل هذه المياه المنتجة من طرف الفلاحين في ما يزيد عن 100 وحدة من البيوت المكيفة بسعر 0,3 د./م3،  بينما التكلفة الجملية ,استثمارا وإنتاجا, تقارب 1,1 د./م3 (كلف الإنتاج » 0,35 د./م3).

وحسب العرض المقدم من طرف السيد علي بوقمورة ممثل المندوبية الجهوية للفلاحة بالمهدية  في ندوة علمية نظمتها وزارة الفلاحة في 15 أوت 2018 بتونس, حول تحلية المياه المالحة في المجال الفلاحي, كانت النتائج الأولية مشجعة جدا من ناحية إنتاج الباكورات (فلفل وطماطم), حيث ارتفعت مردودية الإنتاج لأكثر من 200 % بينما ارتفعت نسبة المرابيح إلى حدود 400 % في السنة الأولى وكان نصيب مصاريف الماء من المصاريف الجملية للإنتاج حوالي 5,5 % باعتبار كلفة شراء الماء (0,3 د./م3) لترتفع الى حدود 18% مع احتساب الكلفة الحقيقة للمياه المنتجة (1,1 د./م3)،  لكن الاستنتاج النهائي يتطلب معرفة النتائج والمردودية الاقتصادية لعدة سنوات.

وتعتبر بعض الشركات الفلاحية المصدرة الأكثر استعمالا لتكنولوجيا تحلية المياه منذ ما يقارب عن 15 سنة, فعلى سبيل المثال تستعمل شركة مصدرة للتوت ((Framboise, بجهة العالية – بنزرت- وحدة التناضح العكسي لإنتاج حوالي 25 م3/ في الساعة من المياه, بملوحة تقارب 0,1 غ/ل, مأخوذة من مياه 4 آبار (1,2 غ/ل) بتكلفة تقارب 1د./م3.

وتستعمل هذه الشركة أحواضا لتخزين مياه الآبار وأخرى لخلط المياه المحلاة (0,1 غ/ل)  بمياه الآبار للحصول على مياه لري التوت الذي يتطلب ملوحة لا تزيد عن 0,5 غ/ل للحصول على أحسن مرودية.

إقراء أيضا

وهنا تجدر الإشارة،  انه نظرا لغلاء سعر الماء المنتج عن طريق التحلية مقارنة بسعر المياه التقليدية, يجب التوجه إلى احتساب كلفة المياه المنتجة بالنظر لكلفة المنتوج الفلاحي الذي له قيمة مضافة هامة (سعر م3/سعر كغ المنتوج).

وتختلف ملوحة مياه الري من منتوج إلى آخر، فعلى سبيل المثال تتطلب الطماطم ملوحة تقارب 1,4 غ/ل بينما يتطلب الفراولو والتوت ((Framboise 0,5 غ/ل من الملوحة في حين يتقبل القوارص مياه بملوحة تصل إلى 2 غ/ل.

محطة تحلية المياه بسيدي علوان ساهمت في ارتفاع مردودية الإنتاج الفلاحي بأكثر من 200 %  وارتفاع نسبة المرابيح إلى حدود 400 % في السنة الأولى

على مستوى التخطيط لتحلية المياه في المجال الفلاحي التخطيط, مازالت الأمور تسير ببطء

وتتوقع كل المؤشرات تطورا كبيرا لمنظومة تحلية المياه في المجال الفلاحي في السنوات المقبلة ، على غرار تحلية مياه البحر، خصوصا بعد الامتيازات التي أسندتها مجلة الاستثمار الفلاحي الجديدة والخاصة بتركيز وحدات تحلية مياه وذلك بإعانة مالية قدرها 50 % من تكلفة وحدة تحلية المياه كما ينص عليه الأمر عدد 389- الصادر في 9 مارس 2017.

بينما على مستوى التخطيط, مازالت الأمور تسير ببطء بعد سنة من احداث لجنة لإعداد مخطط مديري لتحلية المياه في المجال الفلاحي.

الاستنتاج

ولحسن استغلال تكنولوجيا تحلية المياه يفترض إيجاد هيكل ينسق بين كل المتدخلين المهتمين بتحلية المياه في المجال الفلاحي من مؤسسات عمومية واتحاد الفلاحين وإدارات جهوية للفلاحة وهياكل البحث والمجمعات الفلاحية والجمعيات المائية لحسن نقل وتسويق هذه التكنولوجيا والتحكم فيها حسب الموارد المائية والمنتوج الفلاحي. كما يسهر هذا الهيكل على تعميم (vulgarisation) التكنولوجيا لدى الفلاحين المهتمين بتحلية المياه ويساهم في تكوين اليد العاملة المختصة بالتعاون مع التعليم العالي والبحث العلمي وخصوصا التكوين المهني ويشارك في توجيه البحوث التنموية في مجال تحلية المياه المالحة وحوكمته وتأثيره على الإنتاج ألفلاحي وعلى المائدة المائية.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top