أنت بصدد قراءة مقال
الفلاحة في مواجهة التحديات

الفلاحة في مواجهة التحديات

Avatar
  • السياسات الفلاحية التي اتبعتها الدولة منذ الاستقلال غلبت عليها القرارات الارتجالية وغابت عنها الرؤية الاستراتيجة
  • البيروقراطية والمركزية وسوء التصرف تسببت في فشل العديد من البرامج والمشاريع الفلاحية
  • فلاحتنا تتوفر على هامش كبير لتنميتها وتحسين مردوديتها وتعزيز مساهمتها في إنقاذ الاقتصاد
  • النهوض بمحيط عمل الفلاح وتوفير ظروف معيشية محترمة له وتأمين وصوله الى مختلف الخدمات يجب اعتبارها من ألعوامل الأساسية للتنمية.

يتفق العديد من المختصين والمتابعين للقطاع الفلاحي في تشخيص واقعه وتطوره خلال العقود الماضية وهو تطور لم يكن للأسف في مستوى الطاقات والإمكانيات الهامة التي تتوفر عليها الفلاحة التونسية .

 وللتذكير تبلغ المساحة الفلاحية في بلادنا 5 مليون هكتار تنقسم الى 2 مليون هكتار أشجار مثمرة منها 1.6 مليون هكتار زياتين، و2 مليون هكتار زراعات الكبرى منها 1.5 مليون هكتار حبوب، و1 مليون هكتار زراعات مختلفة.

 وتبلغ المساحات السقوية 420 ألف هكتار بينما تمسح الزراعات البيولوجية قرابة 200 الف هكتار.

 وتقدر الموارد المائية الجملية ب 4.8 مليار م3 منها 2.7 مليار م3 مياه سطحية و 2.1 مليار م3 مياه جوفية. أما المنشآت المائية فتتمثل في 29 سدود كبرى ، و1032 سدود وبحيرات جبلية، و3600 بئرعميقة و100 الف بئر سطحية. وتبقى السمة البارزة للوضع الطبيعي والمناخي هو التفاوتات الكبرى بين شمال البلاد وجنوبها، والاختلافات الهامة بين السنوات.

 

السياسات والاصلاحات

تعتبر الفلاحة ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وهذا الدور سيبقى لعقود من الزمن رغم نشأة وتطور قطاعات أخرى لها وزنها الاقتصادي كالصناعة والخدمات والسياحة.

وفي قراءة للسياسات الفلاحية التي اتبعتها الدولة منذ الاستقلال نجد أن هذه السياسات غابت عنها في اغلب الأحيان الإصلاحات العميقة والتوجهات الاستراتيجية التي تجعل من الفلاحة قاطرة التنمية وتضعها في عمق مشروع الاصلاح الاقتصادي.

  وقد كشف تعامل الدولة مع المسالة الفلاحية في مختلف الحقبات الزمنية عن تذبذب في الخيارات وتقصير في اتخاذ القرارات الجريئة التي تعالج مشاكل الفلاحة وتضمن لها الموقع الذي تستحقه.

  وتمثل دور الدولة في الحقبة التي  تلت الاستقلال  في استرجاع الأراضي التي استغلها المعمرون وإلغاء الحبس وتطهير الوضعية العقارية للأراضي الفلاحية وأوكلت مهمة استغلال الأراضي الى الدواوين التنموية والمؤسسات التابعة للدولة، كما أسند جزء منها الى الخواص.

وتم في فترة التعاضد دمج أراضي الفلاحين المحيطة بالضيعات الدولية لتكوين الوحدات التعاضدبة  للإنتاج الفلاحي.

كما قامت الدولة بتطوير نسبي للبنية التحتية من طرقات ريفية وسدود وبحيرات جبلية ومناطق سقوية.

وتركزت السياسة التنموية على ضمان حد أدنى من إنتاج المواد الأساسية من حبوب ولحوم وألبان وخضر وغلال مع التشجيع على تنمية الصادرات خاصة من القوارص وزيت الزيتون والتمور والباكورات لتغطية الواردات والعمل على تحقيق توازن الميزان التجاري الفلاحي.

و لتحقيق هذه الأهداف تم العمل على تنمية  الإنتاج الفلاحي كما وكيفا وتعصير طرق الاستغلال وإدخال التقنيات الحديثة من ميكنة وري واستعمال البذور الممتازة ومداواة المزارع ضد مختلف الآفات.. فأعطيت أهمية كبرى للتكوين والإرشاد الفلاحي وللبحث العلمي.

  كما تركزت السياسات المتبعة على دعم مستلزمات الإنتاج ودعم أسعار المنتجات الأساسية حفاظا على المقدرة الشرائية للمواطن. الا أن تطور العجز المتواصل لصندوق الدعم وتأثير ذلك على ميزانية الدولة أدى الى الرجوع التدريجي الى حقيقة الأسعار مع الإبقاء على دعم عدد محدود من المنتجات.

  أما على مستوى هيكلة الأراضي ورغم المساهمة الفعالة للأراضي الدولية في تطوير الإنتاج وتعصيره، إلا أن  عوامل عديدة كالبيروقراطية والمركزية وسوء التصرف أدت تدريجيا إلى تراجع إنتاج العديد منها وتدني قدرتها على القيام باستثمارات جديدة ضرورية لديمومة عملية  الإنتاج.

 وقد أدت هذه الوضعية في تسعينات القرن الماضي الى اعادة هيكلة هذه الأراضي نحو اسناد مقاسم للفنيين الفلاحيين واعطاء امتيازات لبعث شركات احياء وتنمية فلاحية يشترك فيها الفنيون والمستثمرون مع المحافظة على نسبة

من هذه الأراضي تحت التصرف المباشر للدولة .

إقراء أيضا

ولئن حققت جملة هذه السياسات والإصلاحات التي اتبعتها الدولة في الماضي بعض الإضافات على مستوى القطاع الفلاحي فان المرحلة الحالية باتت تفرض تعاملا جديدا مع هذا القطاع في ظل بروز تحديات جديدة ترتبط  خاصة بالتهديدات الجدية التي أصبحت تمس مسالة الأمن الغذائي الوطني والوضعية الاقتصادية المتأزمة التي تعيشها بلادنا اقتصاديا واجتماعيا

 وإن هذه التحديات تقتضي أن يساهم القطاع ألفلاحي بصفة اكبر في تأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي لتونس وأن يكون عمود الاقتصاد الوطني ويساهم بصفة فعلية في التنمية الجهوية وفي التشغيل والتصدير.

فالقدرات الطبيعية لتونس وان كانت محدودة إلا أنها ليست مستغلة بالقدر الكافي وبالطرق المثلى، وهناك هامش كبير لتنميتها وتحسين مردوديتها بتجاوز ما هو كائن الى ما هو ممكن.

لا بد من مراجعة نظام التحفيز على الاستثمار الفلاحي باتجاه إعطاء أهمية أكبر للتجديد التكنولوجي و إعطاء الأولوية للمشاريع التحويلية والتصديرية

من اجل رؤية مستقبلية جماعية

إن الرؤية المستقبلية للقطاع الزراعي تتطلب تشريك الجميع من فلاحين وفنيين وكفاءات علمية وتقنية مع مكونات المجتمع المدني لبلورة الإستراتيجية المستقبلية.

ومن بين الأسس التي يمكن أن تبنى عليها هذه الإستراتيجية:

  • وضع أهداف واضحة لمستقبل القطاع الفلاحي ودوره في تحقيق الأمن الغذائي مع تحديد الأولويات والتي ينبغي أن تتمحور حول المنتجات الأساسية كالحبوب والبقوليات واللحوم والالبان وزيت الزيتون والقوارص والتمور والخضر والغلال الأساسية اضافة الى بعض المنتجات ذات القيمة المضافة العالية كالمنتجات البيولوجية والباكورات والمنتجات المحلية والتقليدية.
  • ضرورة التمييز بين الفلاحة الاقتصادية والفلاحة الاجتماعية. فالأولى تعتبر المستغلة الفلاحية  عنصر إنتاج يستوجب القيام باستثمارات ووضع طرق تصرف ملائمة لتحقيق أقصى هامش من الربح مع الحرص على ديمومة النشاط ونموه بينما ترمي الثانية الى إعانة الفلاحين الذين ليس بإمكانهم تحقيق دخل كاف يمكنهم من العيش الكريم لعوامل مرتبطة أساسا بمحدودية المساحة وصعوبة المناخ وضعف خصوبة التربة فتسعى لتثبيتهم بمناطقهم والحد من النزوح. وبالتالي لا يمكن ان تسند نفس الامتيازات والحوافز على مستوى الاستثمار والقروض أو دعم مستلزمات الإنتاج لكليهما.
  1.  العناية بالبنية التحتية من مسالك وطرقات وشبكات اتصال وخطوط كهرباء لأهميتها في تواصل الفلاح مع محيطه ودعم أشغال المحافظة على المياه والتربة. فإمكانية تواصل الفلاح مع محيطه وتوفير ظروف معيشية محترمة له وتأمين وصوله الى مختلف الخدمات يجب اعتبارها من ألعوامل الأساسية للتنمية.
  2.  تشجيع الخواص على الإستثمار في استصلاح الأراضي الهامشية وفي البنية التحتية  من تهيئة المسالك والطرقات وحفر الأبار العميقة وانجاز البحيرات الجبلية وإحداث المناطق السقوية وأشغال وحماية التربة وتحسين المراعي مع تمتيعهم بنسبة من الأراضي المستصلحة أو بإمكانية استغلال المنشات المنجزة لمدة معينة.
  3.  وضع إستراتيجية جديدة لتعبئة الموارد المائية والتصرف فيها ترتكز على التكامل بين مناطق الشمال والوسط والجنوب وعلى مراجعة توزيع الموارد المائية بين قطاع الفلاحة والسياحة والقطاعات الأخرى في اتجاه إعطاء أولوية للقطاع الفلاحي. كما يتعين أن تأخذ هذه الإستراتيجية  بالاعتبار نتائج الدراسات الإستشرافية حول التغيرات المناخية المرتقبة وتداعياتها على الظواهر البيئية والموارد الطبيعية وعلى نظم الانتاج.
  4.  إعطاء أهمية أكبر للتكوين والبحث العلمي الفلاحي بالرفع من الموارد المخصصة لهما وتوجيه البحوث نحو المواضيع الميدانية في علاقة بالأهداف الاستراتجية للقطاع الفلاحي مع تطوير نوعية البحوث وتدعيم الكفاءات من مختلف مستويات التكوين.  كما يجدر اعداد برامج طموحة لاكتساب التكنولوجيات الحديثة وتطويعها وتطويرها  في مختلف المجالات خاصة منها تثمين وتطوير واستنباط الموارد الجينية.
  5.  وضع برامج خاصة على مستوى تشجيع الاستثمارات لتطوير المنتجات التصديرية التي تحظى بامتيازات طبيعية تأهلها لاكتساب تنافسية في الأسواق الدولية كإنتاج زيت الزيتون والقوارص والتمور والباكورات بمختلف أنواعها والإنتاج البيولوجي. وهذا من شأنه أن يساهم في توازن الميزان التجاري الغذائي وتحقيق فائض ايجابي. كما يتعين وضع إستراتيجية خاصة لقطاع تربية الماشية والعناية بالمراعي تهدف الى تنمية هذا القطاع وتطويره نظرا لما يوفره من قدرة تحويلية ومن طاقة إنتاجية وتشغيلية هامة.
  6.  الاستغلال الأمثل للتجهيزات والموارد الطبيعية. وفي هذا المجال يتعين اعتبار الموارد الطبيعية وخاصة الأراضي الفلاحية والمياه ثروة لكل الشعب التونسي وليس للمالكين لها سواء كانوا خواصا أو عموميين. فالقيام بأشغال التهيئة كالحماية من الانجراف وتحسين المراعي  و انجاز السدود وتهيئة المناطق السقوية يكلف المجموعة الوطنية استثمارات باهظة وبالتالي فإن الاستغلال الأمثل لها واجب نحو المجموعة الوطنية لتحقيق أرفع نسبة من الإنتاج. ويستوجب الإخلال بهذا الواجب دفع تعويضات للمجموعة عبر تحميل أداء على الأراضي الغير مستغلة كليا أو جزئيا وذلك حسب قدراتها الإنتاجية والمناخ والتجهيزات العمومية المتوفرة بها.
  7.  التشجيع على الاستغلال المشترك للضيعات الصغيرة والحد من التأثيرات السلبية لتجزئة المستغلة الفلاحية إذ بالإمكان المحافظة على الملكية الفردية مع دعم الإستغلال المشترك وذلك بتوجيه الحوافز على مستوى المنح والقروض والإرشاد والتأطير إلى المزارعين الذين يقبلون الهيكلة صلب تجمعات عائلية أو غيرها. كما يجدر تحفيز الشبان خاصة من أبناء الفلاحين على تعاطي النشاط الفلاحي وتطويره.
  8.  تحديد أهداف واضحة للأراضي الدولية تتمحور حول تعديل الإنتاج، تحقيق حد أدنى من إنتاج المواد الأساسية، إدخال زراعات جديدة ذات جدوى، المساهمة في انجاز البرامج ونشر نتائج البحث  العلمي،…الخ. مع العمل على أن تكون هذه الأراضي نموذجية ومثالا يحتذى من حيث طرق التصرف والتحكم في التقنيات الحديثة و تحقيق المردودية العالية مع الجدوى الاقتصادية.
  • إعادة النظر في استراتيجية الخوصصة لتساهم في تحقيق الأهداف الوطنية من الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي وذلك عبر كراس شروط يحدد الخطوط الكبرى لبرنامج الاستثمار مع ترك هامش من الحرية للمستثمر ومراجعة الحوافز وتقييم الإنجازات عبر النتائج المتحصل عليها. كما أن المعايير المعتمدة ونظام التحفيز يستوجب المراجعة بإعطاء أهمية أكبر لمكونات المشروع  ومدى انصهاره وتحكمه في التقنيات العصرية والمجددة، وللقدرة التشغيلية للمشروع وخاصة من بين الكفاءات العليا مع إعطاء أولوية للمشاريع المندمجة التي لها صبغة تحويلية وتصديرية لما يعطيه ذلك من قيمة مضافة للمنتوج.

 وان هذه المقترحات ليست الا أفكارا وتصورات للإثراء والنقاش ويمكن بلورتها في برامج مستقبلية لإصلاح واقع القطاع الفلاحي  بما يمكنه من المساهمة الفعلية في تحقيق نسبة هامة من الامن الغذائي ومجابهة التحديات.

 

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top