أنت بصدد قراءة مقال
الطاهر بن عمار مؤسس العمل النقابي الفلاحي وموقعّ وثيقة الاستقلال

الطاهر بن عمار مؤسس العمل النقابي الفلاحي وموقعّ وثيقة الاستقلال

Avatar

الطاهر بن عمار لعون أمن : قيّد يدي اليسرى إن شئت أما يدي اليمنى التي أمضت على وثيقة الاستقلال فلا أسمح لك بتقييدها

الطاهر بن عمار : رئيس اول حجرة فلاحية بتونس

يزخر تاريخ تونس بعديد الشخصيات والرموز التي شاركت في معركة الاستقلال وساهمت في بروز الحركة النقابية الفلاحية
وقد اختارت مجلة “تونس الخضراء” أن تتصفح دفاتر الماضي وتوجه دائرة الضوء نحو مختلف الشخصيات التي حملت مشعل النضال النقابي الفلاحي
ولأنه كان صاحب الخطوة الاولى في مسار التأسيس للعمل النقابي الفلاحي المنظم تكون البداية مع الطاهر بن عمار الذي تولى في الفترة الممتدة من 1920 الى 1950 رئاسة الحجرة الشورية الأهلية للمصالح الفلاحية بشمال المملكة التونسية والتي مثلت أول شكل من أشكال التنظيم النقابي للفلاحين في تونس و ضمت بالخصوص كبار الفلاحين بجهات الشمال وكان دورها إنارة الحكومة فيما يتعلق بشؤون الفلاحة المحلية و مساعدتها على تعصير هذا القطاع

 

ولد الطاهر بن عمار في العاصمة تونس يوم 25 نوفمبر 1889، وهو سليل عائلة فلاحية بورجوازية تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في المعهد العلوي قبل أن يلتحق بمعهد كارنو بتونس العاصمة لكن وفاة والده عام 1907 أجبرته على ترك مقاعد الدراسة وإدارة المشاريع الزراعية الكبرى التي تمتلكها عائلته.
كان بن عمار شغوفًا بتطور التقنيات الفلاحية وتنقل كثيرًا بين تونس وأوروبا لشراء أحدث الآلات ومواكبات الآليات المتطورة في الزراعة، مما مكّنه من تكوين علاقات مع رجال أعمال وبرلمانيين فرنسيين.
بدأ اهتمام الطاهر بن عمار بالسياسة في سن مبكرة وأصبح يرتاد منذ سنة 1913 “النادي التونسي” وفي عام 1920 كان من مؤسسي الحزب الحر الدستوري التونسي إلى جانب آخرين من بينهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي غير أنه انفصل عن الحزب عام 1922 وانتخب عام 1920 رئيسا للحجرة الفلاحية بالشمال وتقلد هذه المسؤولية الى حدود سنة 1950.
وفي أوت 1954، تمّ تكليف الطاهر بن عمار برئاسة الحكومة التفاوضية الاولى مع المستعمر الفرنسي وإثر مفاوضات عسيرة  بين الجانبين وقّع بن عمار في الثالث من شهر جوان 1955 على اتفاقية الاستقلال الداخلي، واثر هذا التوقيع اعتقد الطاهر بن عمار أن مهمته انتهت وقدّم استقالة حكومته في 12 سبتمبر 1955
لكن الباي قام بتجديد الثقة في الطاهر بن عمار لتكوين حكومة جديدة وقد حظي هذا الأخير بتزكية المنظمات الوطنية المتمثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد العام للفلاحة التونسية
وانطلقت إثر ذلك جولة جديدة من المفاوضات مع الجانب الفرنسي افضت الى الاتفاق على فحوى بروتوكول الاستقلال التام ونال بن عمار شرف التوقيع على وثيقة الاستقلال يوم 20 مارس 1956
وانتخب إثر ذلك الطاهر بن عمار عضوًا بالمجلس التأسيسي التونسي ضمن قائمة “الجبهة القومية” وقدّم استقالة حكومته يوم 9 أفريل 1956 وسلّم مقاليد رئاسة الحكومة لخلفه الحبيب بورقيبة. وواصل نشاطه كرئيس للحجرة الفلاحية التونسية للشمال وكعضو في المجلس القومي التأسيسي إلى أن وقع رفع الحصانة البرلمانية عنه وإيقافه من قبل قوات الأمن في شهر مارس 1956

إقراء أيضا

الطاهر بن عمار وجزاء سنمار
قد يصعب على المرء أن يصدّق أن يتمّ إيقاف من وقع على وثيقة الاستقلال التونسي بهذه الطريقة ولكن هذا ما وقع فعلًا
وإذا ما عدنا إلى أصل القضية فإن التهم التي وجهت للطاهر بن عمار تمثلت حسب النصوص التي حوكم بسببها في التهرب من الآداءات والإستثراء غير المشروع وعدم التصريح بكامل ممتلكاته ومعاداة النظام السياسي الجديد الذي كان يتزعمه الرئيس الحبيب بورقيبة وقد استند في هذه التهمة إلى العثور على علبة مجوهرات (تبين فيما بعد أنها تحتوي فقط على عقد من ذهب وخلخال) كانت احدى بنات البايات قد عهدت بها إلى بيت الطاهر بن عمار( بين العائلتين علاقة مصاهرة ) وتركتها أمانة لديها ثم تبين أثناء التحقيق أن الطاهر بن عمار لم يكن حتى على علم بوجود العلبة في بيته.
واستنادا لهذه التهم وقعت مداهمة بيت الطاهر بن عمار الذي كان عند مجيء قوات الأمن لإلقاء القبض عليه، محاطًا بأبنائه وأحفاده وقال للعون الذي أراد تكبيله ” قيّد يدي اليسرى إن شئت أما يدي اليمنى التي أمضت على وثيقة الاستقلال فلا أسمح لك بتقييدها ”
وبعد ان حكمت عليه المحكمة بالسجن ودفع خطية مالية كبيرة (حوالي 3 مليون فرنك آنذاك) تم اطلاق سراح الطاهر بن عمار وزوجته بعد خمسة أشهر من الايقاف اثر تبين بطلان الأدلة والتهم المبنية على حجج واهية
ويتفق جل الباحثين والمؤرخين والمطلعين على أسرار تلك الحقبة أن ذنب الطاهر بن عمار الوحيد في هذه القضية أنه كان في طريق بورقيبة دون إرادة منه فالأول لم يطمح إلى الزعامة ولم يخطط لشرف التوقيع على أغلى وثيقة تونسية بل انخرط فقط في النضال بدافع وطني قبل أن يسوقه قدره وكفاءته وشخصيته التوافقية وثقة التونسيين فيه إلى ترؤس حكومتي التفاوض فكان أولى بالتوقيع تبعا لصفته فيما ظل بورقيبة يتحسرعلى هذا الشرف الذي حرم منه

هروب من الاضواء ومغادرة في صمت
بعد مغادرته السجن، عاش الطاهر بن عمار بعيدًا عن الأضواء وعن الحياة السياسية وخيّر قضاء وقته بين منزله بضاحية خير الدين يسهر على رعاية أبنائه وأحفاده وأحد نزل باريس أين كان ابنه محمد علي نزيلًا بأحد المستشفيات.
وفي العاشر من شهر ماي 1985، توفي الطاهر بن عمار في ظلّ صمت مريب من قبل وسائل الإعلام والسلطة الرسمية التي تنكرت لنضالات رجل يعدّ أحد أبرز رجالات الاستقلال رغم أنه قد يكون قد أخطأ في مواقع وأصاب في أخرى. لكن شخصية الطاهر بن عمار التوافقية التي تمكنت من تجاوز خلافات حادة بين أطراف متناقضة أوصلت تونس بعد مخاض صعب إلى التحرّر من براثن المستعمر الفرنسي تستحق إعادة الاعتبار بعد التهميش والتعتيم الذي طالها.

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
1
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top