أنت بصدد قراءة مقال
الدبلوماسية الفلاحية

الدبلوماسية الفلاحية

Avatar

نشطت خلال السنوات الأخيرة ما بات يعرف بـ “الدبلوماسية الاقتصادية”، ضمن التمظهرات الجديدة للسياسات الخارجية للدول، استجابة للتطورات الحاصلة في الفكر الدبلوماسي، وفي مستوى العلاقات الدولية، وفي أولويات التسويق السياسي.
لم تعد السياسة الخارجية، بما هي مواقف ومبادئ وعلاقات “الغرف المغلقة”،   قادرة على ضمان المصالح الوطنية  للدول، أو استمالة دول وسياسات واستراتيجيات، تصب في خانة الحاجات الوطنية، خصوصا بعد أن تجاوزت البشرية منطق “عولمة السياسة”، إلى واقع “عولمة الاقتصاد”، أو ما يسميه بعض الباحثين  بـ “عولمة المصالح”..
تغيرت حينئذ مكونات الدبلوماسية ومضامينها واتجاهاتها ولغتها والمتدخلون فيها، ومع تغير استراتيجيات العلاقات الدولية، لم تعد الدول لوحدها محددة لصنع القرار السياسي بقدر ما دخلت “على الخط”، شركات ومؤسسات ونقابات مهنية ولوبيات، باتت جزءا في صناعة المستقبل، ليس بعناوين  سياسية تقليدية فجّة، وإنما بسياقات جديدة، عنوانها الرئيسي، الاقتصاد والصناعة والخيرات، وهو ما يطلق عليه اختصارا بـ “السلال الغذائية” للعالم المعاصر.
وهكذا، من المعارك السياسية، والحروب العسكرية، والمناكفات الدبلوماسية  التقليدية، وصراعات الجوسسة والاستخبارات،… إلى الحروب الجديدة التي يشكل “الغذاء” عمودها الفقري و”اللوجيسيال logiciel” الأساسي في الفكر الدبلوماسي الدولي، ومن هنا أصبحنا  نقرأ عن “حروب العطش” (قضية المياه) و”آلحروب الخضراء”، في إشارة إلي القطاع الفلاحي، وبات موضوع “الغذاء” ليس جزءا من صراعات الشركات والمؤسسات واللوبيات فحسب، بل كذلك  رقما مهما في معادلة الصراعات الدولية، إلى الحد الذي جعل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، يعتبرون “الأمن القومي” لبلدانهم، يبدأ من أي بقعة في العالم، تتوفر فيها الثروة الفلاحية أو ما يطلقون عليه “الخيرات”.
ليس هذا وحسب، بل إن جزءا كبيرا من الاتفاقيات الغربية، والأوروبية منها  تحديدا، تقوم على خلفية “الاستحواذ” على خيرات الدول، خصوصا العربية منها والإفريقية، بما يجعل القطاع الفلاحي نقطة استهداف أساسية، لا يبدو أن دولنا وحكوماتنا استوعبته بشكل جيد، وهو ما تترجمه السياسات الراهنة، والخطاب السياسي المستخدم، الذي يفتقر إلى ما يمكن أن يشير إلى “هضم” حقيقي لهكذا إشكالية استراتيجية بكل معنى الكلمة.
وعلى الرغم من “سلاح” الدبلوماسية الاقتصادية، الذي يجري استخدامه ضمن سياق هيمنة الشركات الكبرى والدول “العظمى”، فإن توظيفه في محيطنا العربي وعلى الصعيد الوطني (تونس)، ما يزال هشّا، بقدر هشاشة الوضع السياسي، وما يزال سطحيا بقدر سطحية التعامل مع بعض القطاعات البارزة والإستراتيجية، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي..

خطاب الدولة…  إرتباك وتخبّط..

ويمكن القول دون تردّد، أن تعامل الحكومات المتعاقبة مع القطاع  الفلاحي قبل الثورة وبعدها، بل ربما منذ استقلال البلاد إلى الآن، كان تعاملا “قشريا”، حيث يتم “تثمين” الفلاحة في الخطاب السياسي، في مقابل تبخيس دورها وهرسلة الفاعلين فيها، على مستوى الخطط والإستراتيجيات والسياسات والممارسات.
يجرى كل ذلك، على الرغم من أن القطاع الفلاحي، يعدّ الأكثر فعالية في منسوب دعمه لاقتصاد البلاد.. إذ يوفر عائدات بنحو 13٪ من إجمالي صادرات خيرات  البلاد، وهو يساهم في تحسين الميزان التجاري الغذائي، بقيمة 138 مليون دينار، وبلغت صادرات المواد الغذائية خلال الأشهر الثمانية الأولى من العالم الجاري، بنحو 3434٫6 مليون دينار، وهو ما يفسر نسبة النمو في هذا القطاع التي تطورت إلى مستوى 9٫8٪ .
ودون مزايدات، أو خطاب “شعبوي”، لا يكاد المرء يعثر على قطاع بهذا الحجم  ضمن القطاعات الاقتصادية، إذا استثنينا السياحة والفسفاط والطاقة، فيما عدا ذلك، لا تبدو القطاعات الأخرى في ذات حجم مردودية القطاع الفلاحي، ومدى إسهامه في اقتصاد البلاد.
ورغم هذه المعطيات الدقيقة والمبهرة، فإنّ حصّة القطاع الفلاحي من الدبلوماسية الاقتصادية التونسية، لا يكاد يرى لها أثرا، إذا ما تركنا جانبا بعض المبادرات الفردية.
إننا أمام “عقل معطّل” بإزاء القطاع الفلاحي، إذ كيف نفسر توفر هذا القطاع على منتجات تنافسية، وقادرة على اختراق الأسواق الجديدة، لكنّ دوائر القرار السياسي، لا تأخذ ذلك بأفق مستقبلي واستراتيجي ؟!
فقطاعات زيت  الزيتون والتمور، ومنتجات الصيد البحري، تغطي لوحدها نحو 10٪ من موازنة البلاد، ولكنّها ما تزال تدور في فلك تقليدي من الممارسة والتصور، بحيث لم تتحوّل إلى أولوية أساسية، ضمن عملية التسويق للوجهة التونسية.
إن سفاراتنا وقنصلياتنا في الخارج، والتي تتجاوز المائة، موزعة على بلدان  المعمورة، تكاد لا تولي أي اهتمام لمنتجاتنا الفلاحية..

  •  والتمور، ما تزال بدورها حكرا على دول ومؤسسات محددة، إذا استثنينا بعض الجهود في أسواق جديدة (الولايات المتحدة والهند ومالي..)…
  • والرمان التونسي، ما يزال بلا أسواق تستحق الذكر..
  • والقوارص بشتى أنواعها، يجري تصديرها إلى أسواق بعينها، دون القدرة على تسويقها في جغرافيات أخرى، في الشرق والغرب، فضلا عن إفريقيا.

في الحقيقة، منتجات فلاحية عديدة وهامة، تبدو مطموسة، ولا تتحرك “ماكينة” الدبلوماسية الاقتصادية ــ إن كانت لديها ماكينة فعلا ــ لتفعيلها، وإيجاد مناخات لترويجها، كجزء من ترويج الوجهة التونسية، على غرار التفاح والأجاص والفراولة، فضلا عن نوعية الخضر لدينا، والثروة السمكية النوعية التي بحوزتنا.

الدبلوماسية الاقتصادية… ثغرات الخطاب

تتحدث أدبيات السياسة الخارجية، عن أهداف الدبلوماسية الاقتصادية، التي ترمي إلى:

  •  البحث عن أسواق جديدة..
  •  جلب رجال أعمال ومستثمرين..
  •  الترويج للوجهة السياحية التونسية..
  •  تنمية المبادلات التجارية والخدمات..
  •  استقطاب السياح من “بؤر” جديدة..

وهل ثمة أفضل من القطاع الفلاحي لتحقيق هذه الأهداف ؟
أليس بوسع سفاراتنا وقنصلياتنا في الخارج، تنظيم معارض دورية ومنتظمة لمنتجاتنا الفلاحية، بشكل يسمح بالتعريف بالثروة التونسية الهائلة، وببعض المنتجات ذات القدرة التنافسية العالية (زيت الزيتون، التمور، الرمان…) ؟
ماذا لو أعدّت وزارة الخارجية، بالتعاون مع وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي ووزارة الفلاحة، معارض متنقلة في شكل بعثات خاصة بالمنتجات الفلاحية، دون سواها حتى يتم استثمار المخزون الإنتاجي الفلاحي بالشكل الذي يليق به ؟
ندرك جيدا، أن ذلك لا يبدو أمرا سهلا، في ظل الرهان التقليدي على القطاع  السياحي وعلى قطاع الصناعات التقليدية والخدمات..

“الدبلوماسية الفلاحية”

لذلك نقترح في هذا السياق، تشكيل فريق عمل قار صلب وزارة الخارجية، أو ربما صلب رئاسة الحكومة، تحت مسمّى “الدبلوماسية الفلاحية”، وذلك لاعتبارات عديدة أهمها:

  •  أن القطاع الفلاحي، مجال استراتيجي حيوي في اقتصاد البلاد..
  •  أن هذا القطاع، جزء من الأمن القومي بالبلاد، بل أساسه وعموده الفقري..  فقوت التونسيين وغذاؤهم والموارد المتأتية من القطاع الفلاحي، وحجم مساهمته في اقتصاد البلاد، تجعل منه أحد مكوّنات الأمن القومي..
    بل إن الضغوط الدولية لاستثمار القطاع واستنزافه (اتفاقية الأليكا نموذجا)، وعمليات الابتزاز التي يتعرض إليها القطاع من دوائر ولوبيات كبرى في العالم.. والمخاطر المحدقة بالثروة الغذائية الوطنية، جراء حركة التهريب التي تعدّ شكلا من أشكال النهب المنظم لخيرات البلاد ومخزونها الغذائي، كل ذلك وغيره يجعل القطاع  الفلاحي، جزءا من مفردات الأمن القومي وأجندته..
  •  إن الشعوب التي تأكل من خارج حدودها، شعوب منقوصة السيادة، ولذلك فإعادة الإعتبار لهذا القطاع، يمثل دعما للسيادة الوطنية، وتعزيز قوي لاستقلالها  وعزّتها…
  •  قدرة هذا القطاع على جلب استثمارات خارجية، سواء من مستثمرين أجانب، أو من تونسيين مقيمين بالخارج، ويبحثون عن مشاريع مربحة، وهم سيجدون  في القطاع الفلاحي، الوجهة الأيسر والأكثر ربحية وأمانا على استثماراتهم..
  •  والقطاع الفلاحي، يمثل كذلك معطى استراتيجيا مهما في السياق الدولي الراهن، على أساس أن المعارك الدبلوماسية المقبلة، ستكون “معارك السلال الغذائية”، بما يجعل الفلاحة في قلب الصراع على المستقبل..
  • الطاقة التشغيلية التي يتوفر عليها القطاع، والتي بإمكانها أن تتحول إلى مجال حيوي لفرص عمل هامة، يمكن أن تساهم في حلحلة أرقام البطالة المتفاقمة، إذا ما راهنّا على القطاع وأوليناه الاهتمام الذي يستحق ضمن سلم الأولويات الدبلوماسية..
  • القناعة التي ينبغي أن تكون راسخة في الأوساط الدبلوماسية، بكون الفلاحة  ليست مصدر القوت اليومي للتونسيين فحسب، إنما هي مصدر من مصادر خلق الثروة.. الثروة بصيغتها التنافسية مع المنتجات المتداولة في الأسواق الخارجية، فمن ليست لديه قناعة بقدرة القطاع التنافسية، لا يمكن أن يتحرك على مستوى تسويقه خارجيا..

مراجعات أساسية..

إقراء أيضا

على أن التأسيس لــ “الدبلوماسية الفلاحية”، يحتاج إلى جملة من الخطوات الأساسية من بينها:

  •  إعادة النظر في أولويات الدبلوماسية الاقتصادية لبلادنا، باتجاه إدراج القطاع الفلاحي، كقطاع تسويقي للسياحة والصادرات التونسية، ولمعطى الاستقرار الذي يشكّل مدخلا مهما للمستثمرين الأجانب.
  •  مراجعة منوال التنمية، بشكل يسمح بتدشين معادلة جديدة قوامها، “نصدّر بشكل أوسع… نربح بكيفية أكبر”..
  •  التنسيق الفعال والمنتظم مع الإتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، الذي يمثل ثقلا لوجستيا ومعرفيا في مستوى التصور الإستراتيجي، لخلق هذه الدبلوماسية الجديدة..
  •  إعادة النظر – ولو بصفة تدريجية – في مسألة تمويل القطاع الفلاحي، عبر توفير آليات ومداخل متعددة وناجعة ومرنة للفلاحين ومؤسساتهم، حتى يكون التسويق ضمن سياساتهم الإنتاجية.

سيناريوهات..

وبناء على هذه المعطيات، يمكن أن تشتغل “الدبلوماسية الفلاحية” على السيناريوهات التالية:

  1.  معارض سنوية ضخمة في كبرى العواصم الإفريقية والعربية والغربية.
  2.  معارض متنقلة في عواصم آسيوية، على غرار بلدان “النمور الآسيوية”، والجمهوريات المستقلة عن الإتحاد السوفياتي السابق، المصنفة “سلة العالم  الغذائية” في المستقبل، ما يفسّر الإقبال الضخم على التعاون معها، بل الصراع  من حولها، خصوصا بين الروس والأمريكان، وسط مغازلة إسرائيلية نشيطة..
  3. تحريك شبكة السفراء والقناصل، لاقتراح فعاليات بالبلدان التي يمثلون فيها دبلوماسيتنا..

ولاشك، أنه إذا ما نجحت الخارجية التونسية أو رئاسة الحكومة، في خلق “بؤر تسويقية” منتظمة في عديد البلدان، تكون قد فسحت المجال لأفق اقتصادي جديد لبلادنا، بعيدا عن الارتهان للسياحة والخدمات، اللتين تظلان مرتبطتين بـ “العامل الخارجي”، في حين أن القطاع الفلاحي، شأن داخلي، قابل للتحكم وفق الوجهة التي نرغب فيها..
إننا أمام قطاع سيادي.. وبوابة رئيسية في مبنى الأمن القومي الوطني… قطاع  يخلق الثروة.. وينتج فرص العمل.. وهو بالإضافة إلى ذلك، رسالة قوية  للاستقرار بالمفهوم “الجغرا سياسي” للكلمة..
أفلا  يستحق “دبلوماسيته” الخاصة، بمفرداتها وعناوينها ومكوّناتها وأفقها الاقتصادي والتنموي

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
0
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top