أنت بصدد قراءة مقال
التغير المناخي في تونس: مخاوف تتحول إلى واقع

التغير المناخي في تونس: مخاوف تتحول إلى واقع

Avatar

12 ولاية تضررت من التصحر وفقدت 25 بالمائة من غطائها النباتي منذ 2010

لا يخفى على عاقل اليوم أن التغير المناخي في تونس  قد حطّ أوزاره وقد لا يكون أدلّ على ذلك من حرص تونس على الحضور السنوي في قمة المناخ علاوة على تضمين دستورها الجديد استراتيجية مجابهة هذه الأزمة والعمل على التخفيف من أضرارها حماية لحق مواطنيها في بيئة مستدامة ومحيط ملائم للعيش.

ورغم النسبة الضئيلة التي تشارك بها تونس في حجم انبعاثات الغازات الدفيئة- محرك التغير المناخي في العالم- الاّ أن مكانها الجغرافي وبيئتها القريبة من الصحراء ووجودها على البحر وضعاها في مواجهة خط نار التغير المناخي الذي بات حاضرا من خلال ارتفاع معدلات الحرارة، تراجع كميات الأمطار وزحف رمال الصحراء إضافة إلى وقوع نسبة هامة من السواحل التونسية تحت تهديد الغرق كنتيجة لارتفاع منسوب مياه البحر.

وتعيش تونس اليوم تغيرا جذريا في ملامح الطقس حيث تشهد درجات الحرارة خلال هذه السنوات ارتفاعا ملحوظا قدّر من طرف الخبراء بأنه الأعلى منذ أكثر من نصف قرن. احترار مفاجئ ومؤثر مردّه ارتفاع معدل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الاحتراق المتواصل والمكثف للوقود الأحفوري.

 فقد بلغت معدلات الحرارة خلال شتاء 2010 مثلا 30 درجة مائوية  وحسب  تقرير البنك الدولي الصادر  سنة 2012 بعنوان “اخفضوا الحرارة: لماذا ينبغي تفادي ارتفاع حرارة الأرض 4 درجات مئوية” فإن تونس من بين خمس دول عربية وتسعة عشر عالمية سجلت ارتفاعات جديدة في درجات الحرارة عام 2010، وهو العام الذي شهد أعلى ارتفاع في درجات الحرارة عالميا منذ بدء تسجيلها في القرن التاسع عشر كما يؤكد البنك الدولي.
ارتفاع ينتظر منه أن يعمق من حدة الجفاف بتونس التي باتت الآن وأكثر من أي وقت سابق تواجه خطر الجفاف وتراجع حجم المحاصيل الزراعية، تراجع سيبلغ الثلث بحلول العشرية القادمة. فيما بدأ أثره فعليا من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والعلف بسبب التباين الحاد بين العرض والطلب.

 

تقف تونس اليوم “على الحافة ” حيث يدفعها التغير المناخي إلى الجفاف ونقص الغذاء، وهو وضع يستوجب حشدا حقيقيا لكافة الجهود من اجل مجابهة هذه الأخطار

الفقر المائي بات واقعا نحياه
يبلغ نصيب الفرد التونسي من الماء سنويا 460 مترا أي تحت خط الفقر المائي المدقع الذي حدد بـ500 متر مكعب سنويا ما جعل الأعناق مشدودة نحو حلول تحلية مياه البحر وانشاء سدود جديدة.
هذا التهديد الجاد يؤكده تصريح وزير الفلاحة التونسي نهاية 2017 والذي أكد فيه  أن  60 بالمائة من ميزانية وزارة الفلاحة لسنة 2018 ستخصّص لبرنامج المياه وتنويع مصادره باعتبار أن الموارد التقليدية لا تلبي حاجيات البلاد من الماء الصالح للشراب والري.
ورغم أهمية تصريح الوزير إلا أن الواقع أشد رعبا من ذلك حيث أن أهم الموائد المائية في تونس يقع استنزافها حاليا عبر الحفر المكثف للآبار السطحية والعميقة لاستغلالها في الزراعة وهو ما أدى إلى جفاف  موائد مائية مهمة خصوصا بمنطقتي القيروان مائدة منطقة “سيسب”والوطن القبلي  مائدتي منطقتي تاكلسة وقرمبالية، اللتان عدا تراجع مدخراتهما من المياه يواجهان تهديد الملوحة بسبب ارتفاع منسوب المياه في وقت باتت فيه السدود التي لم تمتلئ كليا منذ سنوات عاجزة عن توفير طلبات السكان في مختلف القطاعات ما يدفع بشركة استغلال وتوزيع المياه التونسية إلى القطع المتكرر للمياه لخفض الاستهلاك والحفاظ على مستويات الماء الدنيا بهذه السدود.
تراجع كميات الأمطار في تونس التي باتت لا تتجاوز الـ600 ملم سنويا يدفع الى الاعتماد كليا على المدخرات الباطنية للمياه التي لا تتجدد ما يضع البلاد أمام خطر نفاذ المخزون المائي والوقوع تحت طائلة الجفاف.وهو ما سيكون كذلك وراء انخفاض المحاصيل الزراعية بنسبة الثلث خلال العقد القادم وسيكون أسوأ بكثير في ظل معطيات تقول بأن نسبة الاحترار ستصل إلى درجتين بحلول نهاية القرن.
فيما يظل الخوف الأكبر من حلول الساعة صفر التي صارت واقعا في مدينة كيب تاون وقريبة جدا بالمغرب الذي يشبهنا ونشبهه جدا.

تهديدات التصحر
أكثر من ثلثي مساحة تونس تقع في مناخ شبه جاف ومناطق صحراوية وشبه صحراوية. إلا أن حدود هذا المناخ القاسي والمساحات الرملية  تواصل تقدمها باتجاه الشمال حيث بلغت عدد الولايات المتضررة من التصحر 12 ولاية من جملة أربعة وعشرين فقدت بموجبها 25 بالمائة من غطائها النباتي منذ 2010 وقد أدى ذلك إلى تراجع أنواع الإنتاج الفلاحي الذي تتميز به سواء في الزراعة أو تربية الماشية. كما شمل هذا التدهور للأراضي الفلاحية بعض جهات الساحل المعروفة بأشجارها المثمرة نتيجة نقص الأمطار والتغيرات المناخية الأخيرة.

 

إقراء أيضا

تراجع كميات الأمطار في تونس يدفع الى الاعتماد كليا على المدخرات الباطنية للمياه التي لا تتجدد ما يضع البلاد أمام خطر نفاذ المخزون المائي

 

مخاطر الغرق
من جهة أخرى فإن إطلالة تونس على البحر بطول شريط ساحلي يبلغ 1300 كلم وتركز أهم المدن الصناعية والفلاحية والسياحية والمرافق الحيوية بالساحل يضع اقتصاد البلد ومستقبله تحت طائلة تهديدات الغرق نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر جراء ذوبان الجليد بالقطبين الذي تتسارع وتيرته بارتفاع درجات الحرارة. حيث  يتوقع ان يأدي ارتفاع البحر مترا واحدا الى غرق من 1 الى 3%  من مساحة تونس وقد تصل النسبة الى 15%  اذا بلغ الارتفاع 5 أمتار.

وهو ما لن يؤدي فقط إلى اندثار هذه المناطق فحسب بل سينجر عنه تضرر إمدادات المياه العذبة وتملح مدخرات أكثر من المياه إضافة إلى تعطيل الاقتصاد وتعريض حياة المواطنين إلى الخطر نتيجة ارتفاع احتمالية التعرض للأمراض المنقولة من خلال الحشرات التي تعيش في المياه الراكدة وتنتقل عبر الماء.
ومن أقرب المناطق المهددة  في تونس تلك الأكثر انخفاضا مثل أرخبيل قرقنة وسواحل جزيرة جربة وخليج قابس إضافة إلى الوطن القبلي حيث ينتظر أن تغمر المياه جزءا من الأرخبيل بحلول سنة 2030.

ماذا علينا؟
تحتم علينا المسؤولية الأخلاقية اليوم أن  نعمل على حفظ حق الأجيال القادمة في بيئة مستدامة ومناخ يطيب فيه العيش لذلك فإن أول ما يجب أن نقوم به اليوم تجاه قضية تغير المناخ هو البدء في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خلال العمل على إنتاج طاقات نظيفة وتغيير سلوكنا مثل التعويل على النقل العمومي ومشاركة النقل ورسكلة النفايات والابتعاد عن حرقها سيما أن أغلب النفايات في تونس هي نفايات عضوية بالإمكان إعادة تدويرها واستعمالها كأسمدة فلاحية.
في ما يتعلق بالثروة المائية فإنّ مهمتنا الأساسية اليوم هي الكف عن هدر المياه وترشيد استهلاكنا،فيما ينبغي على الحكومة أن تفي بتعهداتها تجاه مشاريع السدود وتجميع المياه والحفاظ على حق الجميع في الماء من خلال التصدي للاستغلال اللامعقول للمائدة المائية من خلال الحفر العشوائي للأبار مع ضرورة تعويض الزراعة التي تتميز باستهلاك مرتفع للماء بأخرى اقل استهلاكا.
نحن اليوم كذلك أمام وضعية تحتم علينا تبني مشاريع التشجير واستصلاح الغابات تصديا لزحف الرمال وإثراء للغطاء النباتي الذي يعمل على ترطيب الجو وامتصاص ثاني أكسيد الكربون وبالتالي تقليل درجات الحرارة واستقدام الأمطار.
تقف اليوم تونس “على الحافة” بعبارة حبيب معلوف حيث يدفعها التغير المناخي إلى الجفاف والأوبئة ونقص الغذاء، وهو وضع يستوجب حشدا حقيقيا لكافة الجهود بين وعي مجتمعي شعبي وإرادة سياسية من اجل مجابهة هذه الأخطار عبر خلق ردّ فعل ايجابي يمنع تفاقم الأزمة

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
1
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
0

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top