أنت بصدد قراءة مقال
التثمين الصناعي لزيت الزيتون التونسي  :الفرص المهدورة

التثمين الصناعي لزيت الزيتون التونسي  :الفرص المهدورة

Avatar
  • لابد من تحفيز رجال الأعمال التونسيين والأجانب، بل إرغامهم على إنجاز عمليات التثمين الصناعي وجوبيا بتونس من خلال عقود للتنمية تشمل أيضا التعاون على تطوير تكنولوجيات وأدوات إنتاج تونسية
  • زيت الزيتون التونسي يصدّر بنسبة 80 إلى 90 بالمائة كمنتوج خام وتخسر بلادنا نتيجة لذلك آلاف المليارات من الموارد بالعملة الصعبة
  • اهمال الجانب الصناعي في قطاع زيت الزيتون يحرم الشباب التونسي من الاف مواطن العمل

ليس سرّا أن زيت الزيتون التونسي، وهو من أهم الثروات والصادرات الوطنية، يصدّر بنسبة 80 إلى 90 بالمائة كمنتوج خام وتخسر تونس نتيجة لذلك آلاف المليارات من الموارد بالعملة الصعبة لفائدة الأطراف الخارجية الأوروبية وخاصة إيطاليا، التي تستحوذ بهذه الطريقة منذ الاستقلال على جل المداخيل المتأتية من إعادة تصدير هذه الثروة بعلامات تجارية إيطالية بعد إنجاز عمليات التثمين الصناعي والتعليب وغيرها، وهي الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية المرتبطة بما يسمى بشبكة القيمة التي تحتاج إلى تكنولوجيات وتقنيات صناعية متطوّرة.

وإذا أدركنا أن تونس لا تنتج محليا أي من التكنولوجيات ووسائل الإنتاج الحديثة الضرورية لتحويل صابة الزيتون إلى زيت كالمعاصر وتوابعها التي تُستورد بالعملة الصعبة، مما ينعكس سلبا على الميزان التجاري، فإننا نقف على هول المأساة التي لا تقتصر على خسارة الموارد المالية  بل تؤدي إلى فقدان  قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية تضيع  بأكملها، مع ما توفره من فرص للعمل  يتم التفريط فيها هدرا. والحال أن تونس في أمس الحاجة إليها للتقليل من العجز التجاري ولتوفير موارد إضافية ومواطن الشغل لمهندسيها وإطاراتها العليا، فضلا عن العمالة غير المتخصصة

هذا الواقع المرير يُعزى إلى الخيارات الاقتصادية الخاطئة التي توختها تونس بعد تخليها عن التخطيط الإستراتيجي كمنوال للتنمية واستبداله بسياسة انفتاحية عشوائية. مما أدى إلى غياب الرؤية الإستراتيجية المستقبلية في إدارة الثروات الوطنية التي تُركت كلقمة سائغة للسماسرة المحليين وللأطراف الخارجية وخاصة منها الأوروبية، الحريصة على الحيلولة دون سيطرة تونس على قطاعاتها الحيوية وتحولها إلى منافس على غرار الدول الصاعدة وذلك من خلال إبقائها في حالة تبعية تكنولوجية أبدية إزاء أوروبا

والملاحظ أن قطاع زيت الزيتون هو عينة فقط من عديد القطاعات والأنشطة الاقتصادية الحيوية ذات الصلة بالثروات الوطنية كالأنشطة البترولية وقطاع الطاقة والفلاحة والصناعات الغذائية والنسيج والأحذية، المعرضة منذ بدايات الاستقلال وقبله للنهب المنظم والمقنن بموجب اتفاقيات التبادل الحر وقوانين الاستثمار غير المتكافئة، التي تم توقيعها أو تبنيها في إطار وضع الأطر المنظمة للعلاقات مع فرنسا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية خلال فترة الستينات والسبعينات ثم مع الاتحاد الأوروبي منذ مطلع التسعينات.

 كما ساهمت التبعية المالية والتكنولوجية التونسية إزاء الغرب مع التوجهات الاقتصادية الليبرالية والانفتاحية التي تبنتها  تونس منذ مطلع السبعينات وعبر البرامج الإصلاحية المفروضة على تونس  منذ منتصف الثمانينات إلى الثورة، في تمكين رؤوس الأموال الأجنبية من الاستحواذ على القطاعات والأنشطة الاقتصادية والتجارية الأكثر ربحية ومردودية على حساب المصلحة الوطنية التونسية.

وكان من المفترض أن تقوم تونس بعد الاستقلال بمراجعة هذه الاتفاقيات والتعهدات والقوانين بتعديلها أو إلغائها وبسن قوانين جديدة  تنسجم نصا وروحا مع الخيارات والتوجهات الاستراتيجية، التي تبنتها تونس مطلع الستينات في إطار الآفاق العشرية للتنمية القائمة على إزالة الاستعمارالاقتصادي وبناء منظومة صناعية وفلاحية إنتاجية عصرية كفيلة بجعل تونس قادرة على استغلال ثرواتها محليا بتكنولوجياتها الوطنية، على غرار ما يعرف بالدول الصاعدة بما يقلل من تبعيتها التكنولوجية إزاء الخارج في هذه المجالات الحيوية، وبما يساعدها على تعديل موازناتها التجارية والمالية المختلة باستمرار نتيجة العجز المتفاقم في التبادل التجاري مع الدول الأوروبية عموما، وخاصة مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا باعتبارهم الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين لتونس.

  • هل يمكن لتونس السيطرة على ثرواتها الوطنية المهدورة؟

لاشك أن لتونس القدرة على التقليل من الاستغلال الأجنبي لثرواتها الوطنية ومن بينها خاصة زيت الزيتون، إذا توفرت لديها الإرادة السياسية اللازمة لمراجعة خياراتها الاقتصادية والمعاهدات والتوجهات الدبلوماسية ذات الصلة وإذا أقدمت -تماشيا مع مقتضيات الدستور- بمراجعة بعض القوانين البالية مثل القانون المنظم لخوصصة قطاع تصدير زيت الزيتون الذي يسمح للقطاع الخاص التونسي والأجنبي بشراء زيت الزيتون التونسي الخام ليقع تصديره إلى الخارج. حيث تمتلك هذه الأطراف المصانع التي تتكفل بإنجاز عمليات التثمين الصناعي وهو ما يلحق الضرر البالغ بتونس التي تفقد بذلك النسبة الأهم من القيمة المضافة وكذلك الأنشطة وفرص العمل ذات الصلة المعروفة بشبكة القيمة. كما يمكنها البحث عن شراكات تكنولوجية مع البلدان الصاعدة  لكسر احتكار إيطاليا والغرب لزيت الزيتون التونسي وغيره من الثروات التونسية

إقراء أيضا

هذا ويمكن  تحفيز رجال الأعمال التونسيين والأجانب، بل إرغامهم على إنجاز عمليات التثمين الصناعي وجوبيا بتونس من خلال عقود للتنمية تشمل أيضا التعاون على تطوير تكنولوجيات وأدوات إنتاج تونسية للتقليل من استيراد تونس لهذه التجهيزات المكلفة بالعملة الصعبة. وهو ما سينعكس حتما بصفة إيجابية على الميزان التجاري وميزان المدفوعات. وستتمكن تونس بذلك من تحسين مردودية قطاع زيت الزيتون فضلا عن الرفع من نسبة إدماجه الصناعي مما سيوفّر سبل التشغيل للمهندسين والإطارات والمبدعين التونسيين الذين لا يجدون فرص التوظيف في بلادهم  في إطار منظومة المناولة التي تعتمد أساسا على الأيادي العاملة غير المتخصصة للتقليص من كلفة الإنتاج.

وخلاصة القول، وفي خضم ما تدّعيه الحكومة الحالية من رغبة في التقليص من مستوى العجز التجاري الذي بلغ معدلات مفزعة وخطيرة من خلال الإعلان عن تدابير جديدة من بينها خاصة إعداد قائمة من السلع غير الضرورية والكماليات التي سيقع الاستغناء عن توريدها، عليها أن تُعنى أيضا بتوفير الحماية الضرورية للصناعات الوطنية المعرّضة للإندثار بحكم المنافسة غير الشريفة وغير المتكافئة

كما يتعين على تونس أن تعمل على استرداد قطاعاتها الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية المهدورة والمنهوبة من الأطراف الأجنبية بتواطئ من فئة من قطاع الأعمال التونسي التي أضحت تستغل الحوافز والقوانين المشجعة على التصدير والاستثمار، لتهريب الثروات خارج تونس فضلا عن زيادة تعميق العجز التجاري والمالي وكذلك حرمان الشباب التونسي المختص وغير المختص مما كانت ستوفره له هذه الأنشطة من فرص للعمل، والمساهمة في إعادة بناء تونس من خلال التثمين الصناعي المحلي لثرواتها باعتباره السبيل الوحيد للحفاظ لا فقط على الثروة الطبيعية والفلاحية بل أيضا على ثروتنا الشبابية والبشرية المهدورة والمتطلعة للهجرة السرية والعلنية بحكم فقدانها لأي أمل بإمكانية بناء مستقبلها بتونس

هل أعجبك المقال؟
أعجبني
4
أغضبني
0
سخيف
0
غير مأكد
0
لم يعجني
1

جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة © لمجلة تونس الخضراء

  

Scroll To Top